101 | القرآن وعلومه :
من الطارق الى البينة
102 | أحاديث مختارة :
الطهور مفتاح الصلاة
إنما يأكل الذئب
بني الاسلام على خمس
رضى الله في رضى الوالدين
من غش
خلاصة نور اليقين (ج1) | الدورة الثانية
الجهر بالتبليغ
مضت كل هذه المدة والنبي عليه الصلاة والسلام لا يُظهر الدعوة في مجامع قريش العمومية، ولم يكن المسلمون يتمكّنون من إظهار عبادتهم حذراً من تعصب قريش، فكان كلُّ من أراد العبادة ذهب إلى شِعاب مكة يصلّي مستخفياً، ولمّا دخل في الدين ما يربو على الثلاثين، وكان من اللازم اجتماع الرسول بهم ليرشدهم ويعلّمهم، اختار لذلك دار الأرقمبن أبي الأرقم ــــ وهو ممّن ذكرنا إسلامهم ــــ ومكث عليه الصلاة والسلام يدعو سرّاً حتى نزل عليه قوله تعالى في سورة الحِجر: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ(94) (1) مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ(3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(4) فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ(5) وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ(214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(215) فَإِنْ عَصَوْكَ} (الشعراء: 215، 216) أي: العشيرة والأقربون {فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ} (الشعراء: 216) فجمعهم عليه الصلاة والسلام وقال لهم: «إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبتُ الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غررتُ الناس جميعاً ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتُنَّ كما تنامون، ولتُبعثُنَّ كما تستيقظون، ولتُحَاسبنّ بما تعملون، ولتجزوُنّ بالإحسان إحساناً، وبالسوء سوءاً، وإنّها لجنّة أبداً أو لنار أبداً». فتكلم القوم كلاماً ليّناً غير عمه أبي لهب الذي كان خصماً لدوداً فإنه قال: خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب، فإن أسلمتموه إذاً ذللتم، وإن منعتموه قُتلتم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا، ثم انصرف الجمع.
ولما جهر رسول الله عليه الصلاة والسلام بالدعوة سَخِرت منه قريش واستهزؤوا به في مجالسهم فكان إذا مرَّ عليهم يقولون: هذا ابن أبي كبشة يُكلَّم من السماء، وهذا غلام عبد المطلب يُكلم من السماء لا يزيدون على ذلك، فلما عاب آلهتهم، وسَفّهَ عقولهم وقال لهم: «والله يا قوم لقد خالفتم دين أبيكم إبراهيم»، ثارت في رؤوسهم حمية الجاهلية غَيْرَةً على تلك الآلهة التي كان يعبدها آباؤهم، فذهبوا إلى عمه أبي طالب سيد بني هاشم الذي أخذ على نفسه حمايته من أيدي أعدائه، فطلبوا منه أن يُخلي بينهم وبينه أو يكفّه عمّا يقول، فردّهم ردّاً جميلاً فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله لما يريده لا يصده عن مراده شيء، فتزايد الأمر، وأضمرت قريش الحقد والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحث بعضهم بعضاً على ذلك. ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى وقالوا له: إن لك سناً وشرفاً ومنزلة منّا، وإنّا قد طلبنا منك أن تنهى ابن أخيك فلم تَنْهَهُ عنّا، وإنّا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه عقولنا، وعيب آلهتنا. فإنهم كانوا إذا احتجوا بالتقليد في استمرارهم على عدم اتّباع الحق ذمّهم لعدم استعمال عقولهم فيما خُلقت له. قال تعالى في سورة البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَآءنَآ أَوَلَوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ(170) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَآ أَوَلَوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ(104) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لايَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21) قَالَ مُتْرَفُوهَآ
إِنَّا وَجَدْنَآ ءابَآءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} (الزخرف: 23). ولما شبّههم بمن قبلهم من الأمم في هذه المقالة الدّالة على التعصب والعناد قال: {قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءابَآءكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ(24)
الإيذاء
ورأى رسول الله من المشركين كثير الأذى وعظيم الشدّة، خصوصاً إذا ذهب إلى الصلاة عند البيت، وكان من أعظمهم أذًى لرسول الله جماعة سمّوا لكثرة أذاهم بالمستهزئين.
فأوّلهم وأشدّهم: أبو جهل عمروبن هشامبن المغيرة المخزومي القرشي، قال يوماً: يا معشر قريش إِنَّ محمداً قد أتى ما ترون من عيب دينكم وشتم آلهتكم، وتسفيه أحلامكم، وسبّ آبائكم، إني أُعاهد الله لأجلسنّ له غداً بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضَختُ به رأسه فأَسْلِمُوني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أخذ حجراً كما وصف، ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا عليه الصلاة والسلام كما كان يغدو إلى صلاته، وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعِل، فلما سجد عليه الصلاة والسلام احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه من الفزع ورمى حجره من يده. فقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما لكَ يا أبا الحَكَم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم، فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل والله ما رأيت مثله قطّ هَمَّ بي أن يأكلني، فلما ذُكر ذلك لرسول الله قال: ذاك جبريل ولو دنا لأخذه. وكان أبو جهل كثيراً ما ينهى الرسول عن صلاته في البيت فقال له مرة بعد أن رآه يصلي: ألم أنهك عن هذا؟ فأغلظ له رسول الله القول وهدده، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟ فأنزل الله تهديداً له في آخر سورة اقرأ: كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ(15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ(16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ(17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ(18) كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب نَادِيَهُ(19)
ومن أذيته للرسول ما حكاه عبد اللهبن مسعود من رواية البخاري قال: كنا مع رسول الله في المسجد وهو يصلي، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى فَرْث جزور بني فلان فيلقيه على محمد وهو ساجد؟ فقام عقبةبن أبي مُعَيطبن أبي عمروبن أميةبن عبد شمس، وجاء بذلك الفرث، فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فلم يقدر أحد من المسلمين الذين كانوا بالمسجد على إلقائه عنه لضعفهم عن مقاومة عدوهم، ولم يزل عليه الصلاة والسلام ساجداً حتى جاءت فاطمة بنته فأخذت القذر ورمته. فلما قام دعا على مَنْ صنع هذا الصنع القبيح فقال: «اللهمّ عليك بالملأ من قريش» وسمّى أقواماً، قال ابن مسعود: فرأيتهم قُتلوا يوم بدر.
ومما حصل لرسول الله مع أبي جهل أن هذا ابتاع أجمالاً من رجل يقال له الإراشي فمطله بأثمانها فجاء الرجل مجمع قريش يريد منهم مساعدة على أخذ ماله، فدلّوه على رسول الله ليُنصفه من أبي جهل استهزاء لما يعلمونه من أفعال ذلك الشقي بالرسول، فتوجه الرجل إليه وطلب منه المساعدة على أبي جهل فخرج معه حتى ضرب عليه بابه فقال: مَنْ هذا؟ قال: محمد، فخرج منتقعاً لونه فقال له الرسول: أعطِ هذا حقه، فقال أبو جهل: لا تبرحْ حتى تأخذه، فلم يبرح الرجل حتى أخذ دَيْنه، فقالت قريش: ويلك يا أبا الحكم ما رأينا مثل ما صنعت قال: ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب عليَّ بابي حتى سمعت صوته فملئت منه رعباً، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسي فحلاً من الإِبل ما رأيت مثله.
ومن جماعة المستهزئين: أبو لهببن عبد المطلب، عمّ رسول الله كان أشدّ عليه من الأباعد، فكان يرمي القذر على بابه لأنه كان جاراً له، فكان الرسول يطرحه ويقول: يا بني عبد مناف أيُّ جوار هذا؟ وكانت تشاركه في قبيح عمله زوجه أُمّ جميل بنت حرببن أمية، فكانت كثيراً ما تسبّ رسول الله، وتتكلم فيه بالنمائم، وخصوصاً بعد أن نزل فيها وفي زوجها سورة أبي لهب.
ومن المستهزئين: عُقبةبن أبي مُعيط كان الجار الثاني لرسول الله، وكان يعمل معه كأبي لهب، صنع مرة وليمة ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام: «والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله»، فتشهَّد فبلغ ذلك أُبيّبن خلف الجُمحي القرشي، وكان صديقاً له فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال: لا شيء، دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يَطعم فشهدت له. قال أُبيّ: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً فلم تطأ عنقه، وتبزق في وجهه، وتلطم عينه، فلما رأى عقبة رسول الله فعل به ذلك فأنزل الله فيه في سورة الفرقان: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً(27) ياوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً(28) لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءنِى وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً(29) أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّىَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءكُمْ بِالْبَيّنَاتِ مِن رَّبّكُمْ} (غافر: 28).
ومن جماعة المستهزئين: العاصبن وائل السهمي القرشي والد عمروبن العاص، كان شديد العداوة لرسول الله، وكان يقول: غرَّ محمد أصحابه أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر، فقال الله ردّاً عليه في دعواه في سورة الجاثية: {وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ(24) أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِئَايَاتِنَا وَقَالَ لاَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً(77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَانِ عَهْداً(78) كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً(79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً(80)
ومن جماعة المستهزئين: الأسودبن عبد يغوث، الزهري، القرشي، من بني زهرة، أخوال رسول الله، كان إذا رأى أصحاب النبي مقبلين يقول: قد جاءكم ملوك الأرض، استهزاءً بهم لأنهم كانوا متقشفين، ثيابهم رثّة، وعيشهم خشن، وكان يقول لرسول الله سخرية: أما كُلِّمْتَ اليوم من السماء؟
ومنهم: الأسودبن عبد المطلب الأسدي، ابنُ عم خديجة، كان هو وشيعته إذا مرّ عليهم المسلمون يتغامزون وفيهم نزل في سورة المطفِّفِيْن: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ(29) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ(30) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ(31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَء لَضَآلُّونَ(32)
ومنهم: الوليدبن المغيرة، عم أبي جهل، كان من عظماء قريش وفي سعة من العيش، سمع القرآن مرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لقومه بني مخزوم: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنَّ له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمُثمر، وإن أسفله لمُغدق، وإنه يعلو وما يُعلى، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، لتصبأنَّ قريش كلها، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. فتوجه وقعد إليه حزيناً وكلّمه بما أحماه، فقام فأتاهم فقال: تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يُهوِّس؟ وتقولون: إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً قطّ؟ وتزعمون أنه كذَّاب، فهل جرّبتم عليه شيئاً من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك: اللهمّ لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكَّر قليلاً ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فارتجّ النادي فرحاً فأنزل الله في شأن الوليد في سورة المدّثر مخاطباً لرسوله: ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً(11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً(12) وَبَنِينَ شُهُوداً(13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً(14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15) كَلاَّ إِنَّهُ كان لاْيَاتِنَا عَنِيداً(16) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً(17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20) ثُمَّ نَظَرَ(21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23) فَقَالَ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24) إِنْ هَاذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ(25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)
وأنزل فيه أيضاً في سورة ن: ولا تطع كل حلاف} كثير الحلف وكفى بهذا زاجراً لمن اعتاد الحلف مَهِيْنٍ} حقير وأراد به الكذاب لأنه حقير في نفسه هَمَّازٍ} عيّاب طعان مَشَّاءٍ بنَمِيْمٍ} بنقل الأحاديث للإفساد بين الناس مَنَّاعٍ لِلخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثيْمٍ عُتُلَ} غليظ جاف بَعدَ ذَلك زَنِيْمٍ} دخيل أَنْ كانَ ذَا مَالٍ وَبَنينَ، إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آيَاتُنا قَالَ أَساطِيْرُ الأَوَّليْنَ، سَنَسِمُهُ على الخُرطُومِ} كناية عن الإذلال والتحقير لأن الوجه أكرم عضو والأنف أشرف ما فيه، ولذلك اشتقوا منه كلَّ ما يدل على العظمة، كالأنفة وهي: الحمية. فالوسم على أشرف عضو دليل الإذلال والإهانة.
ومن المستهزئين: النضربن الحارث العبدري من بني عبد الداربن قصي. كان إذا جلس رسول الله مجلساً للناس يحدّثهم ويذكرهم ما أصاب مَنْ قبلهم، قال النضر: هلمّوا يا معشر قريش فإني أَحْسَنُ منه حديثاً ثم يحدِّث عن ملوك فارس، وكان يعلم أحاديثهم، ويقول: ما أحاديث محمد إلا أساطير الأوّلين وفيه نزل في سورة لقمان: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ(6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(7) } الْمُسْتَهْزِءينَ(95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ الها ءاخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ(96)
إسلام حمزة
وكان بعض إيذائهم هذا سبباً لإسلام عمّه حمزةبن عبد المطلب، فقد أدركته الحميّة عندما عيّرته بعض الجواري بإيذاء أبي جهل لابن أخيه، فتوجه إلى ذلك الشقي وغاضبه وسبّه، وقال: كيف تسبّ محمداً وأنا على دينه؟ ثُمَّ أنار الله بصيرته بنور اليقين حتى صار من أحسن الناس إسلاماً، وأشدّهم غيرة على المسلمين، وأقواهم شكيمة على أعداء الدين حتى سمي أسدَ الله.
وكما أُوذي الرسول عليه الصلاة والسلام، أُوذي أصحابه لاتّباعهم له، خصوصاً من ليس له عشيرة تحميه، وتردّ كيد عدوه عنه، وكل هذا الأذى كان حلواً في أعينهم ما دام فيه رضاء الله، فلم يفتنوا عن دينهم بل ثبتهم الله حتى أتمّ أمره على أيديهم، وصاروا ملوك الأرض بعد أن كانوا مستضعفين فيها، كما قال جلّ ذكره في سورة القصص: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِى الاْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(5)
ومن الذين أُوذوا في الله: بلالبن رباح كان مملوكاً لأميّةبن خلف الجمحي القرشي، فكان يجعل في عنقه حبلاً ويدفعه إلى الصبيان يلعبون به، وهو يقول: أَحَدٌ أَحَدٌ. لم يَشْغَلْهُ ما هو فيه عن توحيد الله. وكان أمية يخرج به في وقت الظهيرة في الرمضاء ــــ وهي الرمل الشديد الحرارة لو وضعت عليه قطعة لحم لَنَضجَتْ ــــ ثم يؤمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزّى، فيقول: أحد أحد. مرَّ به أبو بكر يوماً فقال: يا أمية أما تتقي الله في هذا المسكين، حتى متى تعذبه؟ قال: أنت أفسدته فأنقذْه مما ترى. فاشتراه منه وأعتقه فأنزل الله فيه وفي أمية في سورة الليل: فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى(14) لاَ يَصْلَاهَآ إِلاَّ الاْشْقَى(15) الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى(16) وَسَيُجَنَّبُهَا الاْتْقَى(17) الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى(18) وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَى(19) إِلاَّ ابْتِغَآء وَجْهِ رَبّهِ الاْعْلَى(20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى(21) } (الليل: 14 ــــ 21) بما يعطيه الله في الأخرى جزاء أعماله. وقد نبّه الله جلّ ذكره على أن بذل الصديق ماله في شراء بلال وعتقه لم يكن إلا ابتغاء وجه ربه، وكفى بهذا شرفاً وفضلاً للصدّيق رضي الله عنه وأرضاه، وقد أعتق غير بلال جماعة من الأرقاء أسلموا فعذبهم مواليهم.
ومنهم: حَمَامَةُ أُم بلال، وعامربن فُهَيرة كان يعذب حتى لا يدري ما يقول، وأبو فُكَيهة، كان عبداً لصفوانبن أميةبن خلف.
ومنهم امرأة تسمى زنيرة عذّبت في الله حتى عميت فلم يزدها ذلك إلا إيماناً، وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون لهؤلاء وأتباعهم؟ لو كان ما أتى به محمد خيراً ما سبقونا إليه أفتسبقنا زنيرة إلى رشد؟ فأنزل الله في سورة الأحقاف: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَاذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ(11)
وممّن عُذب في الله: عماربن ياسر، وأخوه، وأبوه، وأمه، كانوا يعذبون بالنار فمرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صبراً آل ياسر فموعدكم الجنة، اللهمّ اغفر لآل ياسر وقد فعلت». أما أبو عمار وأمه فماتا تحت العذاب رحمهما الله، وأما هو فثقل عليه العذاب فقال بلسانه كلمة الكفر، فإن أبا جهل كان يجعل له دروعاً من الحديد في اليوم الصائف ويلبسه إيّاها، فقال المسلمون: كفر عمار، فقال عليه الصلاة والسلام: «عمارٌ ملىء إيماناً من فرقه إلى قدمه» وأنزل الله في شأنه استثناءً في حكم المرتد، فقال جلّ ذكره في سورة النحل: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106)
وممّن أوذي في الله: خبَّاببن الأرَتِّ، سُبي في الجاهلية فاشترته أُم أنمار، وكان حداداً وكان النبي يألفه قبل النبوّة، فلما شرّفه الله بها أسلم خباب، فكانت مولاته تعذبه بالنار فتأتي بالحديدة المحمّاة فتجعلها على ظهره ليكفر فلا يزيده ذلك إلا إيماناً. وجاء خباب مرة إلى رسول الله وهو متوسد بُرْدَة في ظل الكعبة، فقال: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد عليه الصلاة والسلام محمرّاً وجهه فقال: «إنه كان مَنْ قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ويوضع المنشار على فرق رأس أحدهم فيشقّ، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئبَ على غنمه». قال ذلك عليه الصلاة والسلام وهو في هذه الحال الشديدة التي لا يتصور فيها أعقل العقلاء، وأنبل النبلاء، قوة منتظرة أو سعادة مستقبلة، اللهمّ إلا أن ذلك وحي يوحى إليه، ثم أنزل الله تعالى تثبيتاً للمؤمنين أول سورة العنكبوت: الم(1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ :3 } (العنكبوت: 1 ــــ 3).
وممّن أُوذي في الله: أبو بكر الصديق، ولما اشتد عليه الأذى أجمع أمره على الهجرة من مكة إلى جهة الحبشة، فخرج حتى أتى برْكَ الغِماد فلقيه ابن الدُّغُنَّة (وهو سيد قبيلة عظيمة اسمها القَارَةُ) فقالَ: إلى أين يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: مِثْلُك يا أبا بكر لا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتَصِل الرَحم وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل ابن الدغنة معه، وطاف في أشراف قريش، فقال لهم: أبو بكر لا يُخْرَجُ مثله. أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويُعين على نوائب الحق؟ فلم تُكذِّب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا له: مُرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصلِّ فيها ما شاء، وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن، فإِنّا نخشى أن يفتِن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بِفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه. وكان رجلاً بكَّاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنّا كنّا قد أجَرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجداً بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإِنّا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربه بفناء داره فعل، وإن أبي إلاّ أن يعلن ذلك فَسَلْه أن يردّ إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نُخْفِرَكَ ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان. فأتى ابن الدغنة أبا بكر، فقال: لقد علمتَ الذي عاقدتُ لك عليه. فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن تُرْجع إليّ ذمتي، فإني لا أُحب أن تسمع العرب
أني أُخْفِرْتُ في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أردّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله. رواه البخاري. وكان ذلك سبباً لإيصال أذى عظيم إلى أبي بكر رضي الله عنه.
وبالجملة فلم يخل أحد من المسلمين من أَذِيّةٍ لحقته، ولكن كل ذلك ضاع سدًى تلقاء ثباتهم وعظيم إيمانهم، فإنهم لم يسلموا لغرض دنيوي يرجون حصوله فيسهل إرجاعهم، ولكن وفقهم الله لإدراك حقيقة الإيمان فرأوا كل شيء دونه سهلاً.
ولما رأى كفار قريش أن ذلك الأذى لم يُجْدِهم نفعاً، بل كلما زادوا المسلمين أذًى ازداد يقينهم، اجتمعوا للشورى فيما بينهم، فقال لهم عتبةبن ربيعة العبشمي من بني عبد شمسبن عبد مناف ــــ وكان سيداً مطاعاً في قومه ــــ: يا معشر قريش ألا أقوم لمحمد فأُكلِّمه وأعرضُ عليه أموراً علَّه يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكفَّ عنّا؟ فقالوا: يا أبا الوليد فقمْ إليه فكلمه. فذهب إلى رسول الله وهو يصلي في المسجد، وقال: يابن أخي إنك منّا حيث قد علمتَ من خيارنا حسباً ونسباً، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرَّقْتَ به جماعتهم، وسفَّهتَ أحلامهم، وعِبتَ آلهتهم ودينهم، وكفَّرت من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلّك تقبل منها بعضها، فقال عليه الصلاة والسلام: «قل يا أبا الوليد أسمع».
فقال: يا ابن أخي إن كنتَ تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنتَ تُريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطعَ أمراً دونك، وإن كنتَ تُريد مُلكاً ملكناكَ علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئّياً من الجن لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى، فقال عليه الصلاة والسلام: «فقد فرغتَ يا أبا الوليد؟» قال: نعم، «قال: فاسمع مني» فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أول سورة فصِّلت:
بسم الله الرحمان الرحيم} حم(1) تَنزِيلٌ مّنَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2) كِتَابٌ فُصّلَتْ ءايَاتُهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ(4) وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ(5) قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ الهكُمْ اله واحِدٌ فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ(6) الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزكاةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(7) إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(8) قُلْ أَءنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الاْرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْواتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآء لّلسَّآئِلِينَ(10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ(11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاواتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلّ سَمَآء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَآء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12) فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ(13) إِذْ جَآءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآء رَبُّنَا لاَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ(14)
فأمسك عتبة بفيه، وناشده الرحم أن يَكُفَّ عن ذلك، فلما رجع عتبة سألوه فقال: والله لقد سمعت قولاً ما سمعت مثله قطُّ، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة ولا بالسحر، يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها لي، خلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننَّ لكلامه الذي سمعت نبأ، فَإِنْ تُصِبْهُ العرب فقد كُفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فعزه عزّكم، فقالوا: لقد سحرك محمد، فقال: هذا رأيي.
ثم عرضوا عليه بعد ذلك أن يشاركهم في عبادتهم ويشاركوه في عبادته فأنزل الله تعالى في ذلك: قُلْ يأَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ(3) وَلا أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ(4) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ(5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ(6) قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَآء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ} (يونس: 15).
وقد حصل له مع كفار قريش نادرة تكون لمن استهان بالضعيف كمصباح يستضيء به، وهو أنه بينما الرسول عليه الصلاة والسلام مع كُبراء قريش وأشرافهم يتألفهم ويعرض عليهم القرآن وما جاء به من الدين إذ أقبل عليه عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى ــــ وهو ممّن أسلموا قديماً ــــ والنبي مشتغل بالقول، وقد لقي منهم مؤانسة حتى طمع في إسلامهم، فقال له عبد الله: يا رسول الله علِّمني مما علّمك الله وأكثر عليه القول، فشقّ ذلك على الرسول، وكره قطعه لكلامه، وخاف عليه الصلاة والسلام أن يكون التفاته لذلك المسكين ينفر عنه قلب أولئك الأشراف، فأعرض عنه فعاتبه الله على ذلك بقوله أوَّلَ سورة عبس: عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَن جَآءهُ الاْعْمَى(2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى(3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذّكْرَى(4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى(5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى(6) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى(7) وَأَمَّا مَن جَآءكَ يَسْعَى(8) وَهُوَ يَخْشَى(9) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى(10)
ولمّا رأى المشركون أن هذه المطالب التي يعرضونها لا تُقبل منهم أرادوا أن يدخلوا في باب آخر، وهو تعجيز الرسول بطلب الآيات، فاجتمعوا، وقالوا: يا محمد إن كنت صادقاً فأرِنا آيةً نطلبها منك وهي أن تشقّ لنا القمر فرقتين، فأعطاه الله هذه المعجزة، وانشقَّ القمر فرقتين فقال رسول الله: «اشهدوا» وهذه القصة رواها عبد اللهبن مسعود وهو من السابقين الأوّلين رُويت عنه من طرق كثيرة، ورواها عبد اللهبن عباس وغيره، ورواها عنهم جمع غزير حتى صار الحديث كالمتواتر وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى في أول سورة القمر: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ(1) وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ(2) لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الاْرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ الاْنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ قَبِيلاً(92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِى السَّمَآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ} (الإسراء: 90 ــــ 93) ولم يجبهم الله إلا بقوله: {قُلْ سُبْحَانَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} (الإسراء: 93) لأن الله علم ما تُكِنُّه جوانحهم من التعصب والعناد، فلا يؤمنون مهما جاءهم من البينات كما قال جلّ ذكره في سورة الأنعام: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام: 109) وكيف يرجى الخير ممّن قالوا كما في سورة الأنفال: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَاذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السَّمَآء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الأنفال: 32) ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، وهذه سّنة
من سُنن الأنبياء إذا رأوا من طلاب الآيات عناداً، وأنهم يطلبونها تعجيزاً لا يسألون الله إنفاذ هذه الآيات كيلا يحلّ بقومهم الهلاك كما حصل لعاد وثمود وغيرهم. وهذا هو المراد من قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالاْيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الاْوَّلُونَ} (الإسراء: 59).
وقد حصل للمسيح عليه السلام أنه لمّا وقفَ أمام هيرودس طلب منه آية فلم يُجِبْهُ إلى طلبه، فلما رأى ذلك سخر منه وردّه إلى عدوه بيلاطس بعد أن كان يأسف عليه ويتمنى لقاءه، وذلك مذكور في الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل لوقا.
هذا ولما رأى المشركون ضعفهم عن مقاومة المسلمين بالبرهان، تحولوا إلى سياسة القوة التي اختارها قوم إبراهيم عندما عجزوا عنه حيث قالوا: {حَرّقُوهُ وَانصُرُواْ ءالِهَتَكُمْ} (الأنبياء: 68) كما في سورة الأنبياء أما هؤلاء فازدادوا بالأذى على كل مَن أسلم رجاء صدّهم عن اتّباع الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يتركوا باباً إلا ولجوه، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «تفرقوا في الأرض، فإن الله سيجمعكم»، فسألوه عن الوجه فأشار إلى الحبشة.
هجرة الحبشة الأولى
فعند ذلك تجهزَ ناس للخروج من ديارهم وأموالهم فراراً بدينهم كما أشار عليه الصلاة والسلام، وهذه هي أول هجرة من مكة، وعدّة أصحابها عشرة رجال وخمس نسوة، وهم: عثمانبن عفان وزوجه رقيّة بنت رسول الله، وأبو سلمة وزوجه أُم سلمة، وأخوه لأمه أبو سَبْرةبن أبي رُهْم، وزوجه أم كلثوم، وعامربن ربيعة وزوجه ليلى، وأبو حذيفةبن عتبةبن ربيعة وزوجه سهلة بنت سُهَيل، وعبد الرحمانبن عوف، وعثمانبن مظعون، ومصعببن عمير، وسُهَيْلبن البيضاء، والزبيربن العوّام، وجُلّهم من قريش، وكان عليهم ــــ فيما روى ابن هشام ــــ عثمانبن مظعون، فساروا على بركة الله، ولما انتهوا إلى البحر، استأجروا سفينة أوصلتهم إلى مقصدهم، فأقاموا آمنين من أذًى يلحق بهم من المشركين، ولم يبق مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا القليل.
إسلام عمر
وفي ذلك الوقت أسلم الشهم الهمام عمربن الخطاب العدوي القرشي بعد ما كان عليه من كراهية المسلمين وشدة أذاهم. قالت ليلى ــــ إحدى المهاجرات لأرض الحبشة مع زوجها ــــ: كان عمربن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما ركبتُ بعيري أُريد أن أتوجه إلى أرض الحبشة إذا أنا به، فقال لي: إلى أين يا أُم عبد الله؟ فقلت: قد آذيتمونا في ديننا، نذهبُ في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال: صحبكم الله، فلما جاء زوجي عامر أخبرته بما رأيت من رِقَّةِ عمر، فقال: ترجين أن يُسْلم؟ والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب وذلك لما كان يراه من قسوته وشدته على المسلمين، ولكن حصلت له بركة دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإنه قال قبيل إسلامه: «اللهم أعِزّ الإسلام بعمر». وكان إسلامه في دار الأرقمبن أبي الأرقم التي كان المسلمون يجتمعون فيها وقد حقق الله بإسلامه ما رجاه عليه الصلاة والسلام، فقد قال عبد اللهبن مسعود من رواية البخاري: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر. فإنه طلب من رسول الله أن يعلن صلاته في المسجد ففعل وقد أدرك الكفارَ كآبةٌ شديدة حينما رأوا عمر أسلم، وكانوا قد أرادوا قتله حتى اجتمع جمع حول داره ينتظرونه، فجاء العاصبن وائل السَّهْمي وهو من بني سهم حلفاء بني عدي قوم عمر وعليه حُلَّة حِبَرَة، وقميص مكفوف بحرير، فقال لعمر: ما بالُكَ؟ فقال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إنْ أسلمتُ. قال: لا سبيل إليك فأنا لك جار، فأمِنَ عمر، وخرج العاص فوجد الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ. قال: لا سبيل إليه. فرجع الناس من حيث أتوا.
رجوع مهاجري الحبشة
وبعد ثلاثة أشهر من خروج مهاجري الحبشة رجعوا إلى مكة حيث لا تتيسر لهم الإقامة فيها لأنهم قليلو العدد ــــ وفي الكثرة بعض الأُنس ــــ وأَضِف إلى ذلك أنهم أشراف قريش ومعهم نساؤهم، وهؤلاء لا يطيب لهم عيش في دار غربة بهذه الحالة.
وقد أُولع بعض المؤرخين بحكاية يجعلونها سبباً في رجوع مهاجري الحبشة، وهي أنه بلغهم إسلام قومهم حينما قرأ عليهم الرسول سورة النجم، وتكلم فيها كلاماً حسناً عن آلهتهم حيث قال بعد: أَفَرَءيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19) وَمَنَواةَ الثَّالِثَةَ الاْخْرَى(20)
وهذا مما لا تجوز روايته إلا من قليلي الإدراك الذين ينقلون كل ما وجدوه غير متثبتين من صحته، وها نحن أُولاء نسوق لك أدلة النقل والعقل على بطلان ما ذكر، أما الحديث فسنده ومتنه قلقان، فالسند قال فيه القاضي عياض في الشفا: «لم يخرّجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم»، وأما المتن فليس أصحاب رسول الله ولا المشركون مجانين حتى يسمعوا مدحاً أثناء ذم ويجوز ذلك عليهم، فبعد ذكر الأصنام قال: إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَآء سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} (النجم: 23). فالكلام غير مُنْتَظم، ولو كان ذلك قد حصل لاتَّخذه الكفار عليه حجة يحاجّونه بها وقت الخصام، وهم من نعرفهم من العناد فيما ليس فيه أدنى حجة، فكيف بهذه؟ وليس ذلك القيل أقل من تحويل القبلة إلى الكعبة، وهذا قالوا فيه ما قالوا حتى سمَّاهم الله سفهاء وأنزل فيهم في سورة البقرة: {سَيَقُولُ السُّفَهَآء مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا} (البقرة: 142). ولكن لم يُسمع عن أي واحد من رجالاتهم والمتصدرين للعناد منهم أن قال: ما لك ذَممتَ آلهتنا بعد أن مدحتها؟ وكان ذلك أولى لهم من تجريد السيوف وبذل مُهج الرجال.
على أن المؤرخين الذين ينقلون هذه العبارة ويجعلونها سبباً لرجوع مهاجري الحبشة يقولون أثناء كلامهم: إن الهجرة كانت في رجب، والرجوع كان في شوال، ونزول سورة النجم كان في رمضان، فالمدة بين نزول السورة ورجوع المهاجرين شهر واحد، والمتأمّل أدنى تأمل يرى أن الشهر كان لا يكفي في ذاك الزمن للذهاب من مكة إلى الحبشة والإياب منها لأنه لم يكن إذ ذاك مراكب بخارية تسهّل السير في البحر، ولا تلغراف يوصل خبر إسلام قريش لمن بالحبشة، فلا غرابةَ بعد ذلك إن قلنا إن هذه الخرافة من موضوعات أهل الأهواء الذين ابتلى الله بهم هذا الدين، ولكن الحمد لله فقد منَّ علينا بحفظ كتابنا المجيد الذي يحكم بيننا وبين كل مُفترٍ كذاب ففي السورة نفسها: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى(3)
والذي ورد في الصحيح في موضوع هذا السجود ما رواه عبد اللهبن مسعود: أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ والنجم فسجد، وسجد مَنْ كان معه إلا رجلاً أخذ كفاً من حصى وضعه على جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته قُتِلَ بعد كافراً. وليس في هذا الحديث أدنى دلالة على أن الذين سجدوا معه هم مشركون، بل الذي يفيده قوله: فرأيته قُتِل بعد كافراً أنه كان مسلماً ثم رأيته ارتدّ، وهذا ما حصل من بعض ضعاف القلوب الذين لم يتحملوا الأذى فكفروا، منهم: عليبن أميةبن خلف.
هذا، ولما رجع مهاجرو الحبشة إلى مكة لم يتمكن من الدخول إليها إلا مَنْ وجد له مُجيراً، فدخل أبو سلمة في جوار خاله أبي طالب، ودخل عثمانبن مظعون في جوار الوليدبن المغيرة، وقد ردّ عليه جواره حينما رأى ما صنعه بالمسلمين، فلم يَرَ أن يكون مرتاحاً وإخوانه معذبون.
كتابة الصحيفة
ولما ضاقت الحيلُ بكفار قريش، عرضوا على بني عبد مناف، الذين منهم الرسول عليه الصلاة والسلام، دية مضاعفة، ويسلمونه، فأبوا عليهم ذلك، ثم عرضوا على أبي طالب أن يُعطوه سيداً من شبانهم يتبناه، ويسلم إليهم ابن أخيه، فقال: عجباً لكم تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ فلما رأوا ذلك أجمعوا أمرهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب وَلَديْ عبد مناف وإخراجهم من مكة، والتضييق عليهم فلا يبيعونهم شيئاً، ولا يبتاعون منهم حتى يسلموا محمداً للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم ــــ بسبب ذلك ــــ في شِعْب أبي طالب، ودخل معهم بنو المطلب سواء في ذلك مسلمهم وكافرهم ما عدا أبا لهب فإنه كان مع قريش، وانخذلَ عنهم بنو عَمَّيْهم عبد شمس ونوفل ابني عبد مناف، فجهد القوم حتى كانوا يأكلون ورق الشجر، وكان أعداؤهم يمنعون التجار من مبايعتهم وفي مقدمة المانعين أبو لهب.
هجرة الحبشة الثانية
وبعد دخول الرسول وقومِهِ الشِّعْبَ أمر جميع المسلمين أن يهاجروا للحبشة حتى يساعد بعضهم بعضاً على الاغتراب، فهاجر معظمهم وكانوا نحو ثلاثة وثمانين رجلاً وثماني عشرة امرأة، وكان من الرجال جعفربن أبي طالب وزوجه أسماء بنت عُمَيْس، والمقدادبن الأسود، وعبد اللهبن مسعود، وعبيد اللهبن جحش، وامرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وتوجه لهم الذين أسلموا من جهة اليمن وهم الأشعريون: أبو موسى وبنو عمه. ولما رأتْ قريش ذلك أرسلت في أثرهم عمروبن العاص وعُمارةبن الوليد بهدايا إلى النجاشي ليُسَلِّم المسلمين، فرجعا شَرَّ رجعة، ولم ينالا من النجاشي إلا إهانة لما خاطبوه به من إخفار ذمته في قوم لاذوا به، أما بنو هاشم فمكثوا في الشعب قريباً من ثلاث سنوات في شدة الجهد والبلاء لا يصلهم شيء من الطعام إلا خفية.
نقض الصحيفة
وقد قام خمسة من أشراف قريش يطالبون بنقض هذه الصحيفة الظالمة، وهم: هشامبن عمروبن ربيعةبن الحارث العامري، وهو أعظمهم في ذلك بلاءً، وزهيربن أبي أمية المخزومي ابن عمة الرسول عاتكة، والمُطْعِمبن عديّ النوفلي، وأبو البَخْتَريّبن هشام الأسدي، وزمْعَةبن الأسود الأسدي، واتفقوا على ذلك ليلاً، فلما أصبحوا غدا زهير وعليه حلّة، فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونَلْبَسُ الثياب وبنو هاشم والمطلب هَلْكى لا يبيعون ولا يبتاعون؟ والله لا أقعد حتى تُشَق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة. فقال أبو جهل: كذبتَ، فقال زَمْعة لأبي جهل: أنت والله أكذب ما رضينا كتابتها حين كتبت، فقال أبو البختري: صدق زمعة، وقال المطعمبن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك. وصدّق على ما قيل هشامبن عمرو، فقام إليها المطعمبن عدي فشقّها، وكانت الأَرَضة قد أكلتها فلم يبقَ فيها إلا ما فيه اسم الله، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عمه أبا طالب بذلك قبل أن يفعل ما ذكر، فخرج القوم إلى مساكنهم بعد هذه الشدة.
وفود نجران
وقد وفد على الرسول بعد الخروج من الشِّعب وفد من نصارى نجران بلغهم خبرُهُ من مهاجري الحبشة، فسارعوا بالقدوم عليه حتى يروا صفاته مع ما ذكر منها في كتبهم، وكانوا عشرين رجلاً أو قريباً من ذلك، فقرأ عليهم القرآن فآمنوا كلهم، فقال لهم أبو جهل: ما رأينا ركباً أحمق منكم، أرسلكم قومكم تعلمون خبر هذا الرجل فصبأتم فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم، لكم ما أنتم عليه ولنا ما اخترناه، فأنزل الله في ذلك قوله في سورة القصص: الَّذِينَ ءاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ(52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ(53) أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(54) وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ(55) اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَاذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السَّمَآء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الأنفال: 32).