101 | القرآن وعلومه :
المرسلات
الإنسان
القيامة
102 | أحاديث مختارة :
كل معروف صدقة
حديث السفينة
حديث جبريل
ما أنا في الدنيا إلا كراكب
الصلاة نور والصبر ضياء
خلاصة نور اليقين (ج2) | الدورة الأولى
أعمال مكة
هذا، ولنبيّن لك مجمل ما دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام بمكة من أصول الدين وذلك أمران:
الأول: الاعتقاد بوحدانية الله وأن لا يُشرك معه في العبادة غيره، سواء كان ذلك الغير صنماً كما يفعل مُشرِكو مكة، أو أباً أو زوجةً أو بنتاً كما عليه بعض الطوائف الأخرى كالنصارى، ولولا الاعتقاد بوحدانية الله ما كَلَّف أحد نفسه تكاليف الحياة من آداب الأخلاق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من شهواتها وملذاتها ما دام ذلك خافياً عن الناس.
الثاني: الاعتقاد بالبعث والنشور وأن هناك يوماً ثانياً للإنسان يُجازى فيه على ما صنعه في الدنيا إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر، وعلى هذين الأمرين جاء غالب الآي المكيّة، فقلّما نرى سورة من سور مكة إلا مشحونة بالاستدلال عليهما وتوبيخ من تركهما، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل، وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته ممّا يضيع الوقت سدًى. ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من القرآن معظمه، وهو ما عدا ثلاثاً وعشرين سورة منه، وهي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، النور، الأحزاب، القتال، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، النصر، هذه كلها مدنية وباقي القرآن مكّي.
ولما نزل عليه الصلاة والسلام بقُباء، نزل على شيخ بني عمرو كُلثومبن الهدم، وكان يجلس للناس ويتحدث لهم في بيت سعدبن خَيثمة لأَنَه كان عزباً. ونزل أبو بكر بالسُّنْح (محلة بالمدينة) على خارجةبن زيد من بني حارث من الخزرج.
مسجد قُباء
وأقام رسول الله بقباء ليالي أسّس فيها مسجد قباء الذي وصفه الله بأنه مسجد أُسس على التقوى من أول يوم، وصلَّى فيه عليه الصلاة والسلام بمن معه من الأنصار والمهاجرين، وهم آمنون مطمئنون، وكانت المساجد على عهد رسول الله في غاية من البساطة ليس فيها شيء مما اعتاده بُناة المساجد في القرون الأخيرة، لأن الرسول وأصحابه لم يكن جُلُّ همّهم إلا منصرفاً لتزيين القلوب، وتنظيفها من حظ الشيطان، فكان سور المسجد لا يتجاوز القامة وفوقه مظلة يُتَّقى بها حرّ الشمس.
الوصول إلى المدينة
ثم تحوَّل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة والأنصار محيطون به متقلدي سيوفهم، وهنا حدّث ولا حَرَج عن سرور أهل المدينة، فكان يومُ تحوله إليهم يوماً سعيداً لم يُروا فرحين بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البَدرُ علينامن ثَنِيَّاتِ الوداعوجب الشكر عليناما دعا لله داعأيُّها المبعوثُ فيناجئت بالأمرِ المُطاع وكان الناس يسيرون وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين ماشٍ وراكب يتنازعون زمام ناقته، كلٌّ يريد أن يكون نزيله.
أول جمعة
وأدركته عليه الصلاة والسلام صلاة الجمعة في بني سالمبن عوف، فنزل وصلاّها وهذه أول جمعة له عليه الصلاة والسلام، وأول خطبة خطبها عليه الصلاة والسلام حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس فقدموا لأنفسكم، تَعْلُمنَّ والله ليُصْعَقَنَّ أحدُكم، ثم ليَدَعَنَّ غَنمه ليس لها راعٍ، ثم ليقولَنَّ له ربه ــــ ليس له تَرجمان ولا حاجب يحجبه دونه ــــ: ألم يأتك رسولي فبلَّغك، وآتيتك مالاً، وأفضَلتُ عليك؟ فما قدَّمْتَ لنفسك؟ فَلَينظُرنَّ يميناً وشِمالاً فلا يرى شيئاً، ثم ليَنظرنَّ قُدَّامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يَقِيَ وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة؛ فإنّ بها تُجْزَى الحسنةُ عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
النزول على أبي أيوب
ثم ساروا وكلما مرّوا على دار من دور الأنصار يتضرّعُ إليه أهلها بأن ينزل عندهم، ويأخذون بزمام الناقة، فيقول: «دعوها فإنها مأمورة»، ولم تَزَل سائرةً حتى أتت بِفنَاء بني عديبن النجار (وهم أخواله الذين تزوج منهم هاشم جده) فبركت بمحلة من محلاتهم أمام دار أبي أيوب الأنصاري، واسمه خالدبن زيد، وذلك مَحل مسجده الشريف، فقال عليه الصلاة والسلام: «ههنا المنزل إن شاء الله» رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} (المؤمنون: 29) فاحتمل أبو أيوب رَحْله ووضعه في منزله، وجاء أسعدبن زرارة فأخذ بزمام ناقته فكانت عنده، وخرجت ولائد بني النجار يقلن:
نَحْنُ جَوارٍ من بني النَّجَّارِيا حبّذا محمدٌ مِنْ جَارِ فخرج إليهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتحببنني؟» فقلن: نعم، فقال: «الله يعلم أن قلبي يحبكن» واختار عليه الصلاة والسلام النزول في الدَّوْرِ الأسفل من دار أبي أيوب ليكون أريح لزائريه، ولكن لم يرضَ رضي الله عنه ذلك كرامة لرسول الله لما يمكن أن يصيبه من التراب الذي يُحدِثه وطء الأقدام أو الماء الذي يهراق، فقد اتفق أن كُسرت من زوجته جرّة ماء بالليل، فقام هو وهي بقطيفتهما التي ليس لهما غيرُها، يمسحان الماء خوفاً على رسول الله، ولذلك لم يَزَلْ أبو أيوب يستعطفه حتى كان في العِلْو، وكانت تأتيه الجِفَانُ كل ليلة من سرَاة الأنصار كسعدبن عبادة وأسعدبن زرارة وأُم زيدبن ثَابت، فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاث أو الأربع من جفان الثريد.
نزول المهاجرين
ولما تحول مع رسول الله أغلب المهاجرين تنافس فيهم الأنصار، فحكَّموا القرعة بينهم، فما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقُرعة.
أُخُوَّةُ الإسلام
ومن يتأمل إلى هذه المحبة التي يستحيل أن تكون بتأثير بشر، بل بفضل من الله ورحمته، يفهم كيف انتصر هؤلاء الأقوام على معانديهم من المشركين وأهل الكتاب مع قلّة العَدد والعُدد.
وكان الأنصار يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، قال تعالى في سورة الحشر: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9). وهذا أعلى درجات الأخوة، وكل ذلك كانوا يرونه قليلاً بالنسبة لما وجب عليهم لإخوانهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُمَكِّنَ بينهم الإخاء، آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان كل أنصاري ونزيلُه أخوين في الله. ومن العبث أن نكلف القلم أن يوضّح للقارىء أن هذه الأخوة كانت أرقى بكثير من الأخوة العصبية، بل نَكِلُ ذلك للإحساس الإسلامي فإنه أفصح منطقاً من القلم. وعلى الإجمال فتلك قلوب أَلَّفَ الله بينها حتى صارت شيئاً واحداً في أجسام متفرقة، وعسى الله أن يوفّق مسلمي عصرنا إلى هذا الإخاء حتى يسودوا كما ساد المتحدون، وكان هذا الإخاء على المواساة والحق، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لكل اثنين: «تآخيا في الله أخَوين أخوين» ودام هذا الميراث إلى أن أنزل الله سبحانه قوله في سورة الأحزاب: {وَأُوْلُو الاْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ} (الأحزاب: 6).
هجرة أهل البيت
ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة أرسل زيدبن حارثة وأبا رافع إلى مكة ليأتيا بمن تخلّف من أهله، وأرسل معهما عبد اللهبن أُرَيقط يدلهما على الطريق، فقَدِما بفاطمة وأُم كلثوم ابنتيه عليه الصلاة والسلام، وسَودة زوجه، وأُم أيمن زوج زيد وابنهما أسامة، وأما زينب فمنعها زوجها أبو العاصبن الربيع، وخرج من الجميع عبد اللهبن أبي بكر بأُمّ رومان، زوج أبيه، وعائشة أخته، وأسماء زوج الزبيربن العوّام، وكانت حاملاً بابنها عبد الله، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة.
حُمَّى المدينة
ولم يكن هواء المدينة في البدء موافقاً للمهاجرين من أهل مكة، فأصاب كثيراً منهم الحُمَّى، وكان رسول الله يعُودهم، فلما شَكوا إليه الأمر قال: «اللهمّ حبب إلينا المدينة كما حببتَ إلينا مكة وأشد، وبارك لنا في مُدِّها وفي صاعها، وانقل وباءها إلى الجُحْفَة». فاستجاب الله جَلَّ وعلا دعوته، وعاش المهاجرون في المدينة بسلام.
منع المستضعفين من الهجرة
ومنع مشركو مكة بعضاً من المسلمين عن الهجرة، وحبسوهم وعذبوهم، منهم: الوليدبن الوليد، وعيَّاشبن أبي ربيعة، وهشامبن العاص، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو لهم في صلاته، وهذا أصل القنوت، وقد حصل في أوقات مختلفة وَمحالّ في الصلاة مختلفة، فكان في وتر العشاء، وصلاة الصبح بعد الركوع وقبله، فروى كل صحابي ما رآه، وهذا سبب اختلاف الأئمة في مكان القنوت.
السَّنة الأولى
بناء المسجد
ثم شرع عليه الصلاة والسلام في بناء مسجده في مَبْرك ناقته أمام محلّة بني مالكبن النجار، وكان محله مِرْبَداً للتمر يملكه غلامان يتيمان في حِجر أسعدبن زرارة، فدعا الغلامين، وساومهما بالمِربد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل نَهَبُهُ لك يا رسول الله، فأبى عليه الصلاة والسلام أن يقبله منهما هبة بل ابتاعه منهما، وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل، فأمر بالقبور فنُبشتْ، وبالحفر فَسُويت، وبالنَّخل فقُطع، ثم أمر باتخاذ اللبِن فاتخذ وشرعوا في البناء به، وجعلوا عضادتي الباب من الحجارة، وسقفوه بالجريد، وجعلت عمده من جذوع النخل، ولا يزيد ارتفاعه عن القامة إلا قليلاً، وقد عمل فيه رسول الله بنفسه ليرغِّب المسلمين في العمل، وصاروا يرتجزون وهو يقول معهم:
اللهم لا خيرَ إلا خيرُ الآخرهفارحم الأنصارَ والمُهاجرهْ وجُعلت قبلة المسجد في شماله إلى بيت المقدس، وجُعل له ثلاثة أبواب، ثم حصبت أرضه لأن المطر كان قد أثَّر فيه، فأمر عليه الصلاة والسلام بحصبه، ولم يزين المسجد بِفُرُشٍ حتى ولا بالحصر، وبُني بجانبه حجرتان، إحداهما لسَودة بنت زمعة، والأخرى لعائشة، ولم يكن عليه الصلاة والسلام متزوجاً غيرهما إذ ذاك، وكانت الحجرتان متجاورتين وملاصقتين للمسجد على شكل بنائه، وصارت الحجرات تبنى كلما جاءت زوج.
بدء الأذان
أوجب الله الصلاة على المسلمين ليكونوا دائماً متذكرين عظمة العليّ الأعلى، فيتبعون أوامره، ويجتنبون نواهيه، ولذلك قال في مُحكم كتابه في سورة العنكبوت: إِنَّ الصلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآء وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت: 45). وجعل أفضل الصلاة ما كان جماعة ليذاكر المسلمون بعضهم بعضاً في شؤونهم واحتياجاتهم، ويقوّوا روابط الألفة والاتحاد بينهم، ومتى حان وقت الصلاة فلا بدّ من عمل ينبه الغافل، ويذكّر الساهي حتى يكون الاجتماع عامّاً، فائتمر النبي عليه الصلاة والسلام مع الصحابة فيما يفعل لذلك، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصلاة ليراها الناس، فلم يرضوا ذلك لأنها لا تفيد النائم ولا الغافل، وقال آخرون: نُشعل ناراً على مرتفع من الهضاب فلم يقبل أيضاً، وأشار آخرون ببوق وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم فكرهه رسول الله، لأنه لم يكن يحب تقليد اليهود في عمل ما، وأشار بعضهم بالناقوس وهو ما يستعمله النصارى فكرهه الرسول أيضاً، وأشار بعضهم بالنداء فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي بها فقُبِل هذا الرأي، وكان أحد المنادين عبد اللهبن زيد الأنصاري، فبينما هو بين النائم واليقظان إذ عرض له شخص وقال: ألا أعلمك كلمات تقولها عند النداء بالصلاة؟ قال: بلى، فقال له: قل: الله أكبر الله أكبر مرتين، وتشهَّد مرتين، ثم قل: حيَّ على الصلاة مرتين، ثم قل: حيَّ على الفلاح مرتين، ثم كبر ربك مرتين، ثم قل لا إله إلا الله. فلما استيقظ توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر رؤياه، فقال: «إنها لرؤيا حق»، ثم قال له: «لقِّن ذلك بلالاً فإنه أندى صوتاً منك»، وبينما بلال يؤذن إذ جاء عمر يجر رداءه، فقال: والله لقد رأيت مثله يا رسول الله، وكان بلال أحد مؤذنيه بالمدينة، والآخر عبد الله ابن أُم مكتوم، وكان بلال يقول في أذان الصبح بعد حيّ على الفلاح: «الصلاة خير من النوم» مرتين، وأقرّه الرسول على ذلك، وكان عليه
الصلاة والسلام يأمر في فجر رمضان بأذانين: أولهما يوقظ به الغافلون حتى يَنْتَبِهوا للسحور، والثاني للصلاة. وأما الأذان للجمعة، فكان أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد نداء آخر على الزوراء. رواه البخاري.
ولما تولى هشامبن عبد الملك أخذ الأذان الذي زاده عثمان بالزوراء وجعله على المنار، ثم نقل الأذان الذي كان على المنار حين صعود الإمام على المنبر في العهد الأول بين يديه.
فعلم بذلك أن الأذان في المسجد بين يدي الخطيب بدعة أحدثها هشامبن عبد الملك، ولا معنى لهذا الأذان، لأنه هو نداء إلى الصلاة، ومن هو في المسجد لا معنى لندائه ومن هو خارج المسجد لا يسمع النداء إذا كان النداء في المسجد. ذكر ذلك الشيخ محمد ابن الحاج في «المدخل».
قال الحافظ في فتح الباري: «وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهو في بعض البلاد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى». ا هـ.
فعلم من ذلك كله أن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذان الجمعة أنه كان إذا جلس على المنبر أذّن مؤذنه على المنار فإذا انتهت الخطبة أُقيمت الصلاة وما عدا ذلك فكله ابتداع.
أما الإقامة وهي الدعوة للصلاة في المسجد، فقد اختلفت الروايات في نصها فرواها محمدبن إدريس الشافعي مفردة إلاّ لفظ «قد قامت الصلاة» فمَثْنَى، ورواها مالكبن أنس مفردة كلها، ورواها أبو حنيفة النعمان مَثْنَى كلها.
يهود المدينة
هذا، وكما ابتلى الله المسلمين في مكة بمُشركي قريش ابتلاهم في المدينة بيهودها وهم: بنو قينقاع، وقريظة، والنضير، فإنهم أظهروا العداوة والبغضاء حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم أنه الحق، وكانوا قبل مجيء الرسول يستفتحون على المشركين من العرب إذا شبّت الحرب بين الفريقين بنبي يبعث قد قرب زمانه، فلما جاءهم ما عرفوا استعظم رؤساؤهم أن تكون النبوّة في ولد إسماعيل، فكفروا بما أنزل الله بغياً، مع أنهم يرون أن رسول الله محمداً لم يأتِ إلاّ مصدقاً لما بين يديه من كتب الله التي أنزلها على من سبقه من المرسلين، مبيّناً ما أفسده التأويل منها، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. ومما عابوه على الإسلام نسخ الأحكام، وما دَرَوا أن القادر العليم يعلم ما يحتاج إليه الإنسان أكثر منهم، فإنه ميال بطبعه للترقّي، والرسول عليه الصلاة والسلام وجد بادىء بدء بين جماعة من العرب أُميين ليسوا على شيء من الاعتقادات الإلهية، فكانت الحكمة داعية لأن يكون التشريع لهم على التدريج، لأنه لو حرَّم الله عليهم شرب الخمر وأكل الربا، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وهكذا إلى آخر الأوامر والمناهي التي جاء بها الشرع الإسلامي لما أجابه أحد من هؤلاء النافرة قلوبهم، المختلفة أهواؤهم، الذين كانوا منغمسين في كثير من الأضاليل، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر شيئاً فشيئاً حتى رُوضت عقولهم، وهُذِّبت نفوسهم، وكانت الأحكام لا ينزلها الله عليه إلا عقب الحوادث التي تقتضيها، ليكون التأثير في النفوس أشد، ولكن اليهود أرادوا غَلَّ يد القدرة عن أن تفعل إلا ما يشتهون، وقد حجِّهم القرآن الشريف بما يدل على أنهم يعلمون من نفوسهم البُعد عن الحق، فقال في سورة البقرة: قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الاْخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 94) ثم حتَّم جلّ ذكره
عدم إجابتهم بقوله: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ} (البقرة: 95). فلو كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم على الحق لما تأخروا عمّا طُلب منهم مع سهولته، وحرصهم على تكذيب الصادق الأمين، ولم ينقل لنا عن أحد منهم أنه تمنى ذلك ولو نُطْقاً باللسان. وقد تبّين الهدى لأحد رؤساء بني قينقاع وهو عبد اللهبن سَلام، فترك هواه وأسلم بعد أن سمع القرآن، وبعد أن كان اليهود يعدّونه من رؤسائهم، عدّوه من سفهائهم حينما بلغهم إسلامه، فـ{بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ} (البقرة: 90)، ولما استحكمت في قلوبهم عداوة الإسلام صاروا يجهدون أنفسهم في إطفاء نوره: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة: 32).
المنافقون
وكان يُساعِدُهُم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى الله بصائرهم، فأخفوا كفرهم خوفاً على حياتهم، وكان يرأس هذه الجماعة عبد اللهبن أبيّ ابن سَلول الخزرجي، الذي كان مرشحاً لرياسة أهل المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شكَّ أن ضررَ المنافقين أشدُّ على المسلمين من ضرر الكفار، لأن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون أسرارهم، ويشيعونها بين الأعداء من اليهود وغيرهم كما حصل ذلك مراراً، والأساس الذي كان عليه رسول الله أن يقبل ما ظهر ويترك لله ما بطن، ولكنه عليه الصلاة والسلام مع ذلك كان لا يأمنهم في عمل ما. فكثيراً ما كان يتغيب عن المدينة، ويولي عليها بعض الأنصار، ولكن لم يُعْهَد أنه وَلَّى رجلاً ممّن عُهِدَ عليه النفاق، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم ما يكون منهم لو وُلُّوا عملاً، فإنهم بلا شك يتخذون ذلك فرصة لإضرار المسلمين، وهذا درس مهم لرؤساء الإسلام، يعلِّمهم أَلاّ يثقوا في الأعمال المهمة إلا بمن لم تظهر عليهم شبهة النفاق أو إظهار ما يخالف ما في الفؤاد.
معاهدة اليهود
هذا، وقد علمتَ أنه كان يضاد المسلمين في المدينة فئتان: اليهود، والمنافقون، ولكن الرسول قَبِلَ من هؤلاء ظواهرهم، وعقد مع أولئك عهداً مقتضاه ترك الحرب والأذى، فلا يُحَارِبهم ولا يؤذيهم، ولا يعينون عليه أحداً، وإن دهمه بالمدينة عدو ينصرونه، وأقرّهم على دينهم.
مشروعية القتال
قد عُلم مما تقدم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يقاتل أحداً على الدخول في الدين، بل كان الأمر قاصراً على التبشير والإنذار، وكان الله سبحانه ينزل عليه من الآي ما يقوّيه على الصبر أمام ما كان يلاقيه من أذى قريش، ومن ذلك قوله في سورة الأحقاف: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} (الأحقاف: 35). وكان كثيراً ما يقصّ الله عليه أنباء إخوانه من المرسلين قبله ليثبت به فؤاده، ولما ازداد طغيان أهل مكة ألجؤوه إلى الخروج من داره بعد أن ائتمروا على قتله، فكانوا هم البادئين بالعِداء على المسلمين حيث أخرجوهم من ديارهم بغير حق، فبعد الهجرة أذِن الله للمهاجرين بقتال مشركي قريش بقوله في سورة الحج: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39) 2 3 4 5 6 7 8 9 : ؛ } (الحج: 39، 40). ثم أمرهم بذلك في قوله في سورة البقرة: وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذالِكَ جَزَآء الْكَافِرِينَ(191) فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للَّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ(193)
وبذلك لم يكن الرسول يتعرض إلا لقريش دون سائر العرب فلما تمالأ على المسلمين غيرُ أهل مكة من مشركي العرب، واتحدوا عليهم مع الأعداء، أمر الله بقتال المشركين كافة، بقوله في سورة التوبة: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} (التوبة: 36) وبذلك صار الجهاد عامّاً لكل مَنْ ليس له كتاب من الوثنيين وهذا مصداق قوله عليه الصلاة والسلام: «أمرتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ اللهِ، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهُم وأموالهم إلا بحق الإسلامِ، وحسابهم على الله». ولما وجد المسلمون من اليهود خيانة للعهود حيث أنهم ساعدوا المشركين في حروبهم، أمر الله بقتالهم بقوله في سورة الأنفال: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآء إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (الأنفال: 58) وقتالهم واجب حتى يدينوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ليأمن المسلمون جانبهم، وصار قتال رسول الله للأعداء على هذه المبادىء الآتية:
1 ــــ اعتبار مُشرِكي قريش محاربين لأنهم بدؤوا بالعدوان فصار للمسلمين قتالهم ومصادرة تجارتهم حتى يأذن الله بفتح مكة أو تعقد هدنة وقتية بين الطرفين.
2 ــــ متى رُئِيَ من اليهود خيانة وتحيّز للمشركين قوتلوا حتى يؤمن جانبهم بالنفي أو القتل.
3 ــــ متى تعدّت قبيلة من العرب على المسلمين أو ساعدت قريشاً قوتلت حتى تدين بالإسلام.
4 ــــ كل من بادأ بعداوة من أهل الكتاب كالنصارى قوتل حتى يذعن بالإسلام أو يعطي الجزية عن يدٍ وهو صاغر.
5 ــــ كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إلا بحقه، والإسلام يقطع ما قبله.
وقد أنزل الله في القرآن الكريم كثيراً من الآي تحريضاً على الإقدام في قتال الأعداء وتبعيداً عن الفرار من الزحف، فقال في الموضوع الأول في سورة النساء: {فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحياةَ الدُّنْيَا بِالاْخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} (النساء: 74). وقال في الموضوع الثاني في سورة الأنفال: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الادْبَارَ(15) وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآء بِغَضَبٍ مّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(16)
بدء القتال
كانت عادة قريش أن تذهَب بتجارتها إلى الشام لتبيع وتبتاع، ويُسمى الركبُ السائر بهذه التجارة عِيْراً، وكان يسير معها لحراستها كثير من أشراف القوم وسَرَاتِهم، ولا بد لوصولهم إلى الشام من المرور على دار الهجرة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصادِرَ تجارتهم ذاهبةً وآيبة، ليكون في ذلك عقاب لمشركي مكة، حتى تضعف قوتهم المالية، فيكون ذلك أدعى لخذلانهم في ميدان القتال الذي لا بدّ أن يكون، لأن قريشاً لم تكن لتسكت عمّن سفَّه أحلامهم وعاب عبادتهم خصوصاً وهم قدوة العرب في الدين.
سرية
ففي شهر رمضان أرسل عمَّه حمزةبن عبد المطلب في ثلاثين رجلاً من المهاجرين، وعقد لهم لواء أبيض حمله أبو مَرْثَد حليف حمزة، ليعترض عِيراً لقريش آيبة من الشام، فيها أبو جهل وثلاثمائة من أصحابه المشركين، فسار حمزة حتى وصل ساحل البحر من ناحية العِيص فصادف العير هناك، فلما تصافّوا للقتال حجز بين الفريقين مَجدِيُّبن عمرو الجُهني فأطاعوه وانصرفوا، وشكر عليه الصلاة والسلام مجدياً على عمله لما كان من قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم.
وفي شوال أرسل عُبيدةبن الحارث ابن عم حمزة في ثمانين راكباً من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله مِسْطَحبن أُثَاثة ليعترض عيراً لقريش، فيها مِئَتا رجل، فوافوا العير ببطن رابغ فكان بينهما الرمي بالنبل، ثم خاف المشركون أن يكون للمسلمين كمين فانهزموا، ولم يتبعهم المسلمون، وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقدادبن الأسود وعتبةبن غَزْوان وكانا قد أسلما وخرجا ليلحقا بالمسلمين.
وفيات
وفي هذه السنة توفي من المهاجرين عثمان بن مظعون أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاع أسلم قديماً، وهاجر الهجرتين، ولما دفن أمر عليه الصلاة والسلام بأن يُرَشَّ قبره بالماء، ووضعَ على قبره حجراً، وقال: «أَتَعَلَّمُ به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي»، وهذا كان القصد من وضع الأحجار على المقابر، لا ما يقصده أهل العصور الأخيرة من تشييد الهياكل على القبور، وتصويرها بصور تُرَى في عين الناظر كالأصنام، ليأتي أقارب الميت ويصنعوا عندها احتفالات كثيرة، تشبه ما كان يفعله مشركو مكة عند معابدهم، ومن العبث فعل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بأمور الآخرة.
ومات من الأنصار أسعدُبن زُرارة أحد النقباء الاثني عشر، كان رضي الله عنه نقيب بني النجار، ولما مات اختار رسول الله نفسه للنقابة عليهم لأن «ابن أخت القوم منهم» ومات أيضاً البراءبن معرور أحد النقباء، وهو الذي كان يتكلم عن القوم في العقبة الثانية. ومات من مشركي مكة في هذه السنة الوليدبن المغيرة، ولما احتُضر جزع فقال له أبو جهل: ما جزعك يا عم؟ فقال: والله ما بي من جزع من الموت، ولكن أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة بمكة، فقال أبو سفيان: لا تخفْ إني ضامن ألاّ يظهر. وفيها أيضاً مات العاصبن وائل السهمي. وقد كفى الله المسلمين شر هذين الشقيّين.
السنَّة الثانية
غزوة وَدَّان
ولاثنتي عشرة ليلة خَلَت من السنة الثانية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد أن استخلف عليها سعدبن عبادة، ليعترض عيراً لقريش، فسار حتى بلغ وَدّان، وكان يحمل لواءه عمّه حمزة، ولم يلق هناك حرباً لأن العير كانت قد سبقته، وفي هذه الغزوة صالح بني ضمرة على أنهم آمنون على أنفسهم ولهم النصر على من رامَهم، وأن عليهم نُصْرَةَ المسلمين إذا دُعوا، ثم رجع إلى المدينة بعد مضي خمس عشرة ليلة.
غزوة بُواط
ولم يمض على رجوعِه غير قليل حتى بلغه أن عيراً لقريش آيبة من الشام فيها أميةبن خلف ومائة من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، فسار إليها في مائتين من المهاجرين، وذلك في ربيع الأول، وكان يحمل لواءه سعدُبن أبي وقاص، فسار حتى بلغ بُواط، فوجد العير قد فاتته فرجع ولم يلقَ كيداً، وذلك كله لما كان يأخذه المشركون من الحذر على أنفسهم والاجتهاد في تعمية أخبارهم عن أهل المدينة.
غزوة العُشَيرة
وأعقب رجوعه عليه الصلاة والسلام خروج قريش بأعظم عيرٍ لها فقد جمعوا فيها أموالهم حتى لم يبق بمكة قرشي أو قرشية لها مثقالٌ فصاعداً إلا بعث به في تلك العير، وكان يرأسها أبو سفيانبن حرب ومعه بضعة وعشرون رجلاً، فخرج لها الرسول في جمادى الأولى ومعه مائة وخمسون من المهاجرين، واستخلف على المدينة أبا سلمَةبن عبد الأسد، وحمل لواءه عمه حمزة، ولم يزل سائراً حتى بلغ العُشَيْرة فوجد العير قد مضتْ، وحالفَ عليه الصلاة والسلام في هذه الغزوة بني مُدلِج وحلفاءهم، ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ينتظر هذه العير حينما ترجع.
غزوة بدر الأولى
وبعد رجوعه عليه الصلاة والسلام بقليل جاء كُرْزُبن جابر الفِهري، وأغار على سَرْح المدينة وهرب، فخرج الرسول في طلبه، واستخلف على المدينة زيدَبن حارثة الأنصاري، وحمل لواءه عليبن أبي طالب، فسار حتى بلغ سَفَوان وفاته كُرزٌ فلم يلق حرباً، وتُسمى هذه الغزوة بدراً الأولى.
سرية
وفي رجب من هذه السنة أرسل سرية عدّتها ثمانية رجال، يرأسها عبد اللهبن جحش، وأعطاه كتاباً مختوماً لا يَفُضُّه إلا بعد أن يسير يومين ثم ينظر فيه، فسار عبدُ الله يومين، ثم فتح الكتاب فإذا فيه: «إذا نظرت كتابي هذا فامضِ حتى تنزل نَخْلَةَ، فترصُدَ بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم» وإنما لم يخبرهم عليه الصلاة والسلام بمقصدهم وهم بالمدينة حذراً من شيوع الخبر، فيدل عليهم أحد الأعداء من المنافقين أو اليهود فترصد لهم قريش. ولا يخفى أن عدد السرية قليل لا يمكنه المقاومة، ثم سار عبد الله رضي الله عنه، وفي أثناء السير تخلَّف سعدبن أبي وقّاص وعُتبةبن غَزوان لأنهما أضلا بعيرهما الذي كانا يعتقبانه، وسار الباقون حتى وصلوا نخلة فمرّت بهم عِير قرشية تريد مكة فيها عمروبن الحَضرمي، وعثمانبن عبد اللهبن المغيرة وأخوه نوفل، والحَكمبن كَيسان، فأجمع المسلمون أمرهم على أن يحملوا عليهم ويأخذوا ما معهم، فحملوا عليهم في آخر يوم من رجب، فقتلوا عمروبن الحضرمي، وأسروا عثمان والحكم، وهرب نوفل، واستاقوا العِير وهي أولُ غنيمة غنمها المسلمون من أعدائهم قريش ثم رجعوا، ولم يتمكن المشركون من اللحاق بهم، فلما قدموا المدينة وشاع أنهم قاتلوا في الأشهر الحرم، وعابتهم قريش واليهود بذلك، عَنَّفَهم المسلمون، وقال لهم عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتُكم بقتال في الأشهر الحُرم» فندموا، فأنزل الله في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة: 217) فَسُرِّي عنهم وقد طلب المشركون فداء أسيريهما، فقال عليه الصلاة والسلام «حتى يرجعَ سعد وعتبة»، فلما رجعا قَبِلَ عليه الصلاة والسلام الفدية في الأسيرين، فأما الحكمبن كيسان
فأسلم وحسن إسلامه وبقي مع المسلمين، وأما عثمان فلحق بمكة كافراً.
تحويل القبلة
مكث عليه الصلاة والسلام بالمدينة ستة عشر شهراً يستقبل بيت المقدس في صلاته، وكان يحبّ أن تكون قبلته الكعبة ويقلِّبُ وجهه في السماء داعياً الله بذلك. فبينما هو في صلاته إذ أوحى الله إليه بتحويل القبلة إلى الكعبة فتحوّل، وتحوَّلَ مَنْ وراءه. وكانت هذه الحادثة سبباً لافتتان بعض المسلمين الذين ضعفت قلوبهم فارتدوا على أعقابهم. وقد أكثر اليهود من التنديد على الإسلام بهذا التحويل. وما دَرَوا أن لله المشرق والمغرب يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراط مستقيم.
صوم رمضان
وفي شعبان من هذه السنة أوجب الله صوم شهر رمضان على الأمة الإسلامية، وكان عليه الصلاة والسلام قبل ذلك يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. والصيام من دعائم هذا الدين، والفرائض التي بها يتمّ النظام، فإن الإنسان مجبول على حبّ نفسه، والسعي فيما يعود عليها بالنفع الخاص، تاركاً ما وراء ذلك من حاجات الضعفاء والمساكين، فلا بدّ من وازِع يزعه لحاجات قوم أقعدتهم قواهم عن إدراك حاجاتهم، ولا أقوى من ذوق قوارص الجوع والعطش، إذ بهما تلين نفسه ويتهذب خلقه، فيسهل عليه بذل الصدقات.
صدقة الفطر
ولذلك أوجب الشّارِع الحكيم عقب الصوم زكاة الفطر فترى الإنسان يبذلها بسخاء نفس ومحبة خالصة.
زكاة المال
وفي هذا العام فُرضت زكاة الأموال، وهذه هي النظام الوحيد الذي به يأكل الفقراء والمساكين من إخوانهم الأغنياء بلا ضرر على هؤلاء، فإذا بلغت الدنانير عشرين أو الدراهم مائتين، وحال عليها الحول، وجب عليك أن تؤدي ربع عشرها، أي اثنين ونصفاً في كل مائة، وما زاد فبحسابه، وإذا بلغت الشياه أربعين، والبقر ثلاثين، والإبل خمساً، وحال عليها الحول وجب عليك كذلك أن تؤدي منها جرءاً مخصوصاً حدده الشّارِع، ومثلها عروض التجارة، ومحصولات الزراعة كل هذا يقبضه الإمام، ويوزعه على مستحقيه من الفقراء والمساكين وبقية المذكورين في آية الصدقة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(60)
غزوة بدر الكبرى
لم يطل العهد بتلك العِير العظيمة التي خرج لها عليه السلام وهي متوجهة إلى الشام، فلم يدركها ولم يزل مترقباً رجوعها، فلما سمع برجوعها نَدَبَ إليها أصحابَهُ، وقال: «هذه عيرُ قريش فاخرجوا إليها لعلّ الله أن ينفلكموها»، فأجاب قوم، وثَقُلَ آخرون، لظنهم أن الرسول عليه السلام لم يُرِدْ حرباً، فإنه لم يحتفل بها بل قال: «من كان ظهره حاضراً فليركبْ معنا». ولم ينتظر من كان ظهره غائباً. فخرج لثلاثِ ليالٍ خَلَوْنَ من رمضان بعد أن ولَّى على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، وكان معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً: مئتان ونيف وأربعون من الأنصار، والباقون من المهاجرين، ومعهم فَرَسان، وسبعون بعيراً يعتقبونها، والحامل للواء مصعببن عمير العَبْدري. ولما علم أبو سفيان بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم استأجر راكباً ليأتي قريشاً ويخبرهم الخبر، فلما علموا بذلك أدركتهم حميتهم، وخافوا على تجارتهم، فنفروا سِراعاً ولم يتخلف من أشرافهم إلا أبو لهببن عبد المطلب، فإنه أرسل بدله العاصبن هشامبن المغيرة. وأراد أميةبن خلف أن يتخلَّف لحديث حدَّثه إياه سعدبن معاذ حينما كان معتمراً بعد الهجرة بقليل، حيث قال ــــ كما رواه البخاري ــــ سمعتُ من رسول الله يقول: «إنهم قاتلوك» قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك وحلف ألاَّ يخرج، فعابه أبو جهل ولم يزل به حتى خرج قاصداً الرجوع بعد قليل ولكن إرادة الله فوق كل إرادة، فإن منيته ساقته إلى حتفه رغم أنفه. وكذلك عَزَمَ جماعةٌ من الأشراف على القعود فَعِيْبَ عليهم ذلك، وبهذا أجمعتْ رجالُ قريش على الخروج، فخرجوا على الصعب والذلول، أمامهم القَيْنات يغنين بهجاء المسلمين: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ} (الأنفال: 48). وقد ضرب الله عمل الشيطان هذا مثلاً يعتبر به ذوو الرأي من بعدهم، فقال في سورة الحشر:
{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء مّنكَ إِنّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(16) فَلَمَّا تَرَآءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ ( ) ، . } (الأنفال: 48). وكان عدة من خرج من المشركين تسعمائة وخمسين رجلاً معهم مائة فرس وسبعمائة بعير.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يعرف شيئاً مما فعله المشركون، ولم يكن خروجه إلا للعير، فعسكر ببيوت السُّقْيا خارج المدينة، واستعرض الجيش فردَّ مَنْ ليس له قدرة على الحرب، ثم أرسل اثنين يتجسسان الأخبار عن العير. ولما بلغ الرَّوْحاء جاءه الخبر بمسير قريش لمنع عيرهم، وجاءه مخبراه بأن العير ستصل بدراً غداً أو بعد غد، فجمع عليه الصلاة والسلام كبراء الجيش وقال لهم: «أيّها الناس إنَّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم: العير أو النفير» فتبين له عليه الصلاة والسلام أن بعضهم يريدون غير ذات الشوكة وهي العير ليستعينوا بما فيها من الأموال، فقد قالوا: هلاّ ذكرت لنا القتال فنستعد وجاء مصداق ذلك قوله في سورة الأنفال: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} (الأنفال: 7). ثم قام المقدادبن الأسود رضي الله عنه فقالَ: يا رسول الله امضِ لما أمرك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلآ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: 24) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون، والله لو سرت بنا إلى بَرْكَ الغِمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فدعا له بخير، ثم قال عليه السلام: «أشيروا عليّ أيّها الناس» وهو يريد الأنصار لأن بيعة العقبة ربما يفهم منها أنه لا تَجِب عليهم نصرته إلا ما دام بين أظهرهم. فإن فيها: يا رسول الله إنَّا
بُرآء من ذمتك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إليها فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فقال سعدبن معاذ، سيد الأوس: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: «أجل» فقال سعد: قد آمنا بك وصدّقناك، وأعطيناك على ذلك عهودنا، فامضِ لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غداً، إنّا لصُبُر عند الحرب، صُدُق عند اللقاء، ولعلّ الله يُريك منّا ما تقرّ به عَيْنُك، فسر على بركة الله. فأشرق وجهه عليه السلام، وسُرّ بذلك، وقال كما في رواية البخاري: «أبشروا والله كأني أنظر إلى مصارع القوم» فَعلم القومُ من هذه الجملة أن الحرب لا بدّ حاصلة، وحقيقةً حصلت، فإن أبا سفيان لما علم بخروج المسلمين له ترك الطريق المسلوكة، وسار متّبعاً ساحل البحر فنجا، وأرسل إلى قريش يُعلِمهم بذلك، ويشير عليهم بالرجوع، فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نحضر بدراً فنقيم فيه ثلاثاً: ننحر الجَزور، ونطعم الطعام، ونُسقي الخمر، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً. فقال الأخنسبن شريق الثقفي لبني زهرة ــــ وكان حليفاً لهم ــــ: ارجعوا يا قوم فقد نجَّى الله أموالكم فرجعوا، ولم يشهد بدراً زهري ولا عدوي، ثم سار الجيش حتى وصلوا وادي بدر فنزلوا عدوته القصوى عن المدينة في أرض سهلة لينة.
أما جيش المسلمين، فإنه لمّا قارب بدراً أرسل عليه السلام عليّبن أبي طالب والزبيربن العوّام ليعرفا الأخبار، فصادفا سُقاةً لقريش فيهم غلام لبني الحجاج وغلام لبني العاص السهميين، فأتيا بهما، والرسول عليه السلام قائم يصلي، ثم سألاهما عن أنفسهما، فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء، فضرباهما لأنهما ظنا أن الغلامين لأبي سفيان. فقال الغلامان: نحن لأبي سفيان فتركاهما. ولما أتمَّ الرسول عليه السلام صلاته، قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما؟ صدقا والله إنهما لقريش». ثم قال لهما: «أخبراني عن قريش؟» قالا: هم وراء هذا الكَثيب، فقال لهما: «كم هم؟» فقالا: لا ندري. قال: «كم ينحرون كل يوم؟». قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً. قال: «القوم ما بين التسعمائة والألف»، ثم سألهما عمّن في النفير من أشراف قريش فذكرا له عدداً عظيماً، فقال عليه السلام لأصحابه: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها»، ثم ساروا حتى نزلوا بعُدْوَةِ الوادي الدنيا من المدينة بعيداً عن الماء في أرض سبخة، فأصبح المسلمون عطاشاً بعضهم جُنب وبعضهم مُحْدِث، فحدَّثهم الشيطان بوسوسته، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لثنيت عزائمهم، فإنه قال لهم: ما ينتظر المشركون منكم إلا أن يقطع العطش رقابكم، ويُذهِب قواكم فيتحكموا فيكم كيف شاؤوا.
فأرسل الله لهم الغيث حتى سال الوادي، فشربوا واتخذوا الحِياض على عُدْوَةِ الوادي، واغتسلوا وتوضؤوا وملؤوا الأسقية، ولبدت الأرض، حتى ثبتت عليها الأقدام، على حين أن كان هذا المطر مصيبة على المشركين فإنه وَحَّل الأرض حتى لم يعودوا يقدرون على الارتحال. ومصداق هذا قوله تعالى في سورة الأنفال: {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السَّمَآء مَآء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبّتَ بِهِ الاْقْدَامَ} (الأنفال: 11) وقد أرى الله رسوله في منامه الأعداء كما أراهموه وقت اللقاء قليلي العدد كيلا يفشل المسلمون، وليقضي الله أمراً كان مفعولاً. قال تعالى في سورة الأنفال: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِى الاْمْرِ وَلَاكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الامُورُ(44)
ونُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُونَذْهَلَ عَنْ أَبنائِنا والحَلائِلِ وبعد انقضاء هذه المبارزة، وقف عليه الصلاة والسلام بين الصفوف يعدِلها بقضيب في يده، فمرّ بسوادبن غَزِية حليف بني النجار وهو خارج من الصف، فضربه بالقضيب في بطنه وقالَ: «استقم يا سواد»، فقال أوجعتني يا رسول الله وقد بُعثت بالحق والعدل فَأَقِدْني من نفسك. فكشف الرسول عليه الصلاة والسلام عن بطنه، وقال: «استقد يا سواد»، فاعتنقه سواد وقبَّل بطنه. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما حملك على ذلك؟» فقال يا رسول الله قد حضر ما ترى فأردتُ أن يكون آخر العهد أن يمسّ جلدي جلدَك، فدعا له بخير، ثم ابتدأ عليه السلام يوصي الجيش فقال: «لا تحملوا حتى آمركم، وإن اكتَنَفكم القوم فانضحوهم بالنبل ولا تَسُلُّوا السيوف حتى يَغْشَوكم» ثم حضّهم على الصبر والثبات، ثم رجع إلى عريشه ومعه رفيقه أبو بكر، وحارسه سعدبن معاذ واقف على باب العريش متوشح سيفه، وكان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام ذاك الوقت كما جاء في صحيح البخاري: «اللهمّ أنشدك عهدك ووعدك، اللهمّ إن شئت لم تُعبد» فقال أبو بكر: حَسْبُك فإن الله سينجز لك وعده. فخرج عليه الصلاة والسلام من العريش وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ(45)
واشتد القتال، وحمي الوطيس، وأيد الله المسلمين بالملائكة بُشرى لهم ولتطمئن به قلوبهم. فلم تكن إلا ساعة حتى هُزم الجمع، وولّوا الدُّبُرَ، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل من المشركين نحوُ السبعين، منهم من قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليدبن عتبة، قُتلوا مبارزة أول القتال، وأبو البَخْتريبن هشام، والجراح والد أبي عبيدة قتله ابنه بعد أن ابتعد عنه فلم يزدجر، وقُتل أُميةبن خلف وابنه علي، اشترك في قتلهما جماعة من الأنصار مع بلالبن رباح وعمّاربن ياسر، وقد سعيا في ذلك لما كان يفعله بهما أُمَيّةُ في مكة. ومن القتلى حنظلةبن أبي سفيان، وأبو جهلبن هشام، أثخنه فَتيان صغيران من الأنصار، لما كانا يسمعانه من أنه كان شديدَ الإيذاء لرسول الله، وأجهز عليه عبد اللهبن مسعود، وقُتل نوفلبن خويلد قتله عليبن أبي طالب، وقتل عبيدة والعاصي ولدا أبي أُحَيْحَةَ سعيدِ بنِ العاصِ بنِ أمية، وقُتِل كثيرون غيرهم. أما الأسرى فكانوا سبعين أيضاً، قتلَ منهم عليه السلام وهو راجع عقبةَبن أبي مُعيط، والنضرَبن الحارث اللذين كانا بمكة من أشد المستهزئين. وكانت هذه الواقعة في (17) رمضان، وهو اليوم الذي ابتدأ فيه نزول القرآن وبين التاريخين (14) سنة قمرية كاملة.
وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالقتلى فنُقلوا من مصارعهم التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بها قبل حصول الموقعة إلى قليب بدر، لأنه عليه السلام كان من سُننه في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بها فدفنت، لا يسأل عنه مؤمناً أو كافراً. ولما ألقي عتبة والد أبي حذيفة أحد السابقين إلى الإسلام تغير وجه ابنه ففطن الرسول عليه السلام لذلك، فقال: «لعلّك دخلك من شأن أبيك شيء؟» فقال: لا والله ولكني كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً، فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما مات عليه أحزنني ذلك، فدعا له الرسول عليه السلام بخير، ثم أمر عليه السلام براحِلته فشُدَّ عليها حتى قام على شَفَةِ القليب الذي رمي فيه المشركون، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلانبن فلان ويا فلانبن فلان أيسرّكم أنكم كنتم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟» فقال عمر: يا رسول الله ما تُكَلِّمُ من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال: «والذي نفسُ محمد بيده ما أنتم بأسمَعَ لما أقولُ منهم». وتقول عائشة رضي الله عنها إنما قال: «إنهم الآن ليعلمون أَنَّ ما كنتُ أقول لهم حق»، ثم قرأت: إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} (النمل: 80) {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى الْقُبُورِ} (فاطر: 22)، يقول: «يعلمون ذلك حينما تبوّؤوا مقاعدهم من النار». رواه البخاري. ثم أرسل عليه السلام المبشرين، فأرسل عبد اللهبن رواحة لأهل العالية، وأرسل زيدبن حارثة لأهل السافلة راكباً على ناقة رسول الله، وكان المنافقون والكفار من اليهود قد أرجفوا بالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، عادة الأعداء في إذاعة الضرّاء، يقصدون بذلك فتنة المسلمين، فجاء أولئك المبشرون بما سرّ أهل المدينة، وكان ذلك وقت انصرافهم من دفن رقية بنت رسول الله وزوج عثمان. ثم قفل رسول الله راجعاً، وهنا وقع خُلف بين بعض المسلمين في قسمة
الغنائم، فالشبان يقولون: باشرنا القتال، فهي لنا خالصة، والشيوخ يقولون: كنا ردءاً لكم فنشارككم. ولما كان هذا الاختلاف مما يدعو إلى الضعف، ويزرع في القلوب العداوة والبغضاء المؤديين إلى تشتت الشمل أنزل الله حسماً لهذا الخلاف أول سورة الأنفال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفَالِ قُلِ الانفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ ( ) :1} (الأنفال: 1) فسطع على أفئدتهم نور القرآن، فتألّفت بعد أن كادت تفترق، وتركوا أمر الغنائم لرسول الله يضعها كيف شاء ــــ كما حكم القرآن ــــ فقسمها عليه الصلاة والسلام على السواء الراجل مع الراجل، والفارس مع الفارس، وأدخل في الأسهام بعض مَنْ لم يحضر لأمر كُلف به وهم: أبو لُبابة الأنصاري لأنه كان مخلَّفاً على أهل المدينة، والحارثبن حاطب لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خلفه على بني عمروبن عوف ليحقّق أمراً بلغه، والحارثبن الصمَّة وخَوَّاتبن جبير لأنهما كُسِرا بالرَّوْحَاءِ فلم يتمكنا من السير، وطلحةبن عبيد الله، وسعيدبن زيد لأنهما أُرسِلا يتجسسان الأخبار، فلم يرجعا إلا بعد انتهاء الحرب، وعثمانبن عفان لأن الرسول عليه السلام خلَّفه على ابنته رقيّة يمرضها، وعاصمبن عدي لأنه خلفه على أهل قُباء والعالية، وكذلك أسهم لمن قتل ببدر وهم أربعة عشر منهم عُبيدةبن الحارثبن عبد المطلببن هاشم الذي جُرح في المبارزة الأولى، فإنه رضي الله عنه مات عند رجوع المسلمين من بدر ودفن بالصَّفراء. ولما قارب عليه السلام المدينة تلقته الولائد بالدفوف يقلن:
طلع البدر علينامن ثنيّات الوداعوجب الشكر عليناما دعا لله داعأيّها المبعوث فيناجئت بالأمر المُطاع
أسرى بدر
ولما دخلوا المدينة استشار عليه الصلاة والسلام أصحابه فيما يفعل بالأسرى، فقال عمربن الخطاب: يا رسول الله قد كذّبوك وقاتلوك وأخرجوك فأرى أن تمكِّنني من فلان ــــ لقريب له ــــ فأضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه العباس، وعليّاً من أخيه عقيل. وهكذا حتى يعلم الناس أنه ليس في قلوبنا مودّة للمشركين، ما أرى أن تكون لك أسرى، فاضرب أعناقهم، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. ووافقه على ذلك سعدبن معاذ وعبد اللهبن رواحة، وقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء أهلك وقومك قد أعطاك الله الظفر والنصر عليهم، أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم بك فيكونوا لك عضداً. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليُلِّين قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب أقوام حتى تكون أشدّ من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (إبراهيم: 36) وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال: {رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاْرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} (نوح: 26)» ورأى عليه الصلاة والسلام رأي أبي بكر بعد أن مدح كلاًّ من الصاحبين لأن الوجهة واحدة وهي إعزاز الدين، وخذلان المشركين، ثم قال لأصحابه: «أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد من أسراكم إلا بفداء» وقد بلغ قريشاً ما عزم عليه رسول الله في أمر الأسرى، فناحت على القتلى شهراً، ثم أشير عليهم من كبارهم ألاّ يفعلوا كيلا يبلغ محمداً وأصحابه جزعهم فيشمتوا بهم، فسكتوا وصمّموا على ألا يبكوا قتلاهم حتى يأخذوا بثأرهم، وتواصوا فيما بينهم ألاّ يعجلوا في طلب الفداء لئلا يتغالى المسلمون فيه.
الفداء
فلم يلتفت إلى ذلك المطَّلب بن أبي وَدَاعة السهمي، وكان أبوه من الأسرى، فخرج خفية حتى أتى المدينة وفدى أباه بأربعة آلاف درهم، وعند ذلك بعثت قريش في فداء أسراها، وكان أربعة آلاف إلى ألف درهم، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المدينة يُعلِّمهم، وكان ذلك فداءَه.
ومن الأسرى عمروبن أبي سفيان، ولما طُلب من أبيه فداؤه أبى، وقال: والله لا يجمع محمد بين ابني ومالي، دعوه يمسكوه في أيديهم ما بدا لهم. فبينما أبو سفيان بمكة إذ وجد سعدبن النعمان الأنصاري معتمراً، فعدا عليه فحبسه بابنه عمرو، فمضى قوم سعد إلى رسول الله وأخبروه فأعطاهم عَمْراً ففكّوا به سعداً.
ومن الأسرى أبو العاصبن الربيع زوج زينب بنت الرسول، وكان عليه الصلاة والسلام قد أثنى عليه خيراً في مصاهرته، فإنه لما استحكمت العداوة بين قريش ورسول الله بمكة، طلبوا من أبي العاص أن يطلِّق زينب كما فعل ابنا أبي لهب بابنتي الرسول، فامتنع وقال: والله لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بها امرأة من قريش، ولما أُسر أرسلت زينب في فدائه قِلادة لها كانت حلَّتها بها أمها خديجة ليلة عرسها. فلما رأى عليه الصلاة والسلام تلك القلادة رَقَّ لها رقّة شديدة، وقال لأصحابه: «إنْ رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا لها قلادتها فافعلوا» فرضي الأصحابُ بذلك، فأطلقه عليه الصلاة والسلام بشرط أن يترك زينب تهاجر إلى المدينة. فلما وصل إلى مكة أمرها باللحاق بأبيها، وكان الرسول أرسل لها من يأتي بها فاحتملوها. هذا، ولما أسلم أبو العاصبن الربيع قبيل الفتح ردّ عليه امرأته بالنكاح الأول.
ومن الأسرى: سُهيلبن عمرو، وكان من خطباء قريش وفصحائها وطالما آذى المسلمين بلسانه، فقال عمربن الخطاب: دَعْني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل، يَدْلع لسانُهُ، فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا أُمثِّل فيُمَثِّل الله بي وإن كنت نبيّاً، وعسى أن يقوم مقاماً لا تذمّه» وقدم بفدائه مكرزبن حفص، ولما ارتضى معهم على مقدارٍ حبس نفسه بدله حتى جاء بالفداء. هذا، وقد حقّق الله خبر الرسول في سهيل، فإنه لما مات عليه الصلاة والسلام أراد أهل مكة الارتداد كما فعل غيرهم من الأعراب، فقام سهيل هذا خطيباً وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله: أيها الناس مَنْ كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت ألم تعلموا أن الله قال: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ(30) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} (آل عمران: 144) ثم قال: والله إني أعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها فلا يغرّنكم هذا ــــ يريد أبا سفيان ــــ من أنفسكم، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم، وتوكلوا على ربّكم، فإن دين الله قائم، وكلمته تامّة، وإن الله ناصِر من نصره ومقوَ دينه، وقد جمعكم الله على خيركم ــــ يريد أبا بكر ــــ وإن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه. فتراجع الناس عمّا كانوا عزموا عليه، وكان هذا الخبر من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم.
ومن الأسرى: الوليدبن الوليد افتكَّه أخواه خالد وهشام، فلما افْتُدِيَ ورجع إلى مكة أسلم فقيل له: هلاّ أسلمت قبل الفِداء؟ فقال خفت أن يعدّوا إسلامي خوفاً. ولما أراد الهجرة منعه أخواه ففرّ إلى النبي في عمرة القضاء.
ومن الأسرى: السائببن يزيد، وكان صاحب الراية في تلك الحرب، فدى نفسه. وهو الجد الخامس للإمام محمدبن إدريس الشافعي.
ومنهم: وهببن عُمَيْرٍ الجُمَحِيّ كان أبوه عمير شيطاناً من شياطين قريش كثير الإيذاء لرسول الله، جلس يوماً بعد انتهاء هذه الحرب مع صفوانبن أمية يتذاكران مُصاب بدر، فقال عمير: والله لولا دَيْنٌ عليَّ ليس عندي قضاؤه وعِيال أخشى عليهم الفقر بعدي، كنت آتي محمداً فأقتله، فإن ابني أسير في أيديهم، فقال صفوان: دَينك عليّ وعيالك مع عيالي، فأخذ عُمير سيفه وشحذه وسمّه، وانطلق حتى قَدِم المدينة، فبينا عمر مع نفر من المسلمين إذ نظر إلى عمير متوشحاً سيفه، فقال: هذا الكلب عدو لله ما جاء إلا بشرَ، ثم قال للنبي عليه الصلاة والسلام: هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه، فقال: «أدخله عليّ». فأخذ عمر بحمائل سيفه وأدخله. فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال: «أطلقه يا عمر ادن يا عمير» فدنا، وقال: أنعِموا صباحاً، فقال عليه الصلاة والسلام: «قد أبدلنا الله تحية خيراً من تحيتك وهي: السلام»، ثم قال: «ما جاء بك يا عمير؟» قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، فقال: «فما بالُ السيف؟» قال: قبَّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئاً؟ قال عليه الصلاة والسلام: «اصدُقني ما الذي جئتَ له؟» قال: ما جئت إلا لذلك. قال عليه الصلاة والسلام: «كلا بل قعدتَ أنت وصفوان في الحِجْرِ وقلتما كيت وكيت»، فأسلم عُمير وقال: كنّا نكذّبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فقال عليه الصلاة والسلام: «فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا أسيره»، فعاد عمير إلى مكة وأظهر إسلامه.
ومن الأسرى: أبو عزيزبن عمير، أخو مصعببن عمير. مرّ به أخوه فقال للذي أسره: شُدَّ يدك به، فإن أمه ذات متاع لعلّها تفديه منك. فقال له: يا أخي هذه وصايتك بي؟ ثم بعثت أمه بفدائه أربعة آلاف درهم.
ومن الأسرى: العباسبن عبد المطلب عَمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قد خرج لهذه الحرب مكرهاً، ولما وقع في الأسر طُلب منه فداء نفسه وابن أخيه عقيلبن أبي طالب، فقال: علامَ ندفع وقد استكرهنا على الخروج؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد كنت في الظاهر علينا»، فأُخذت منه فديه نفسه وابن أخيه، ثم قال للرسول: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، قال: «كيف وقد تركت لأُم الفضل أموالاً؟ وقلتَ لها: إن متُّ فقد تركتك غنية» فقال العباس: والله ما اطلّع على ذلك أحد. وهذا العمل غاية ما يفعل من العدل والمساواة فإنه عليه الصلاة والسلام لم يُعفِ عمَّه مع علمه بأنه إنما خرج مُكرهاً، وقد أعفى غيره جماعة تحقق له فقرهم فهكذا العدل، ولا غرابة، فذلك أدب قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالاْقْرَبِينَ} (النساء: 135).
ومن الأسرى: أبو عَزَّة الجُمَحي الشاعر، كان شديد الإيذاء لرسول الله بمكة فلما أُسر قال: يا محمد إني فقير، وذو عيال، وذو حاجة قد عرفتها فامْنُنْ، فمنَّ عليه فضلاً منه.
العتاب في الفداء
ولما تَمَّ الفداءُ أنزل الله في شأنه: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الاْرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(68)
نهى سبحانه عن اتخاذ الأسرى قبل الإثخان في قتل الذين يصدّون عن سبيل الله ويمنعون دين الله من الانتشار، وعابَ بعضَ المسلمين على إرادة عَرَضِ الدنيا وهو الفدية، ولولا حكم سابق من الله ألا يُعَاقِبَ مجتهداً على اجتهاده ما دام المقصد خيراً لكان العذاب، ثم أَباح لهم الأكل من تلك الفدية المبني أخذها على النظر الصحيح. وهذا من أقوى الأدلة على صدق نبيّنا عليه الصلاة والسلام فيما جاء به، لأنه لو كان من عنده ما كان يعاتب نفسه على عمل عمله بناءً على رأي كثير من الصحابة. وقد وعد الله الأسرى الذين يعلم في قلوبهم خيراً بأن يؤتيهم خيراً مما أُخِذَ منهم ويغفر لهم فقال: يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الاْسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(70)
وهذه الغزوة هي التي أعزّ الله بها الإسلام وقوّى أهله، ودمغ فيه الشرك وخرّب محله، مع قلّة المسلمين وكثرة عدوهم، فهي آية ظاهرة على عناية الله تعالى بالإسلام وأهله مع ما كان عليه العدو من القوة بسوابغ الحديد والعدّة الكاملة، والخيل المسوَّمة، والخيلاء الزائدة، ولذلك قال الله ممتناً على عباده بهذا النصر: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} (آل عمران: 123) أي: قليل عددكم، لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، فهي أعظم غزوات الإسلام، إذ بها كان ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الآفاق نوره، فقد قتل فيها من صناديد قريش من كانوا الأعداء الألدّاء للإسلام، ودخل الرعب في قلوب العرب الآخرين، فكانت للمسلمين هيبة بها يكسرون الجيوش، ويهزمون الرجال، فلا جَرَمَ أن شكرنا العليَّ الأعلى على هذه العناية، واتخذنا يوم النصر في بدر وهو السابع عشر من شهر رمضان عيداً نتذكر فيه نعمة الله على رسوله وعلى المسلمين.
غزوة بني قَينُقاع
هذا، وإذا كان للشخص عدوَّان فانتصر على أحدهما حَرَّك ذلك شجو الآخر، وهاج فؤاده، فتبدو بغضاؤه غير مكترث بعاقبة عدائه، وهذا ما حصل من يهود بني قينقاع عند تمام الظفر في بدر، فإنهم نبذوا ما عاهدوا المسلمين عليه، وأظهروا مكنون ضمائرهم، فبدت البغضاء من أفواههم، وانتهكوا حرمة سيدة من نساء الأنصار، وهذا ما يدعو المسلمين للتحرّز منهم وعدم ائتمانهم في المستقبل إذا شبّت الحرب في المدينة بين المسلمين وغيرهم، فأنزل الله في سورة الأنفال: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْإِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآء إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (الأنفال: 58) فدعا عليه الصلاة والسلام رؤساءهم وحذّرهم عاقبة البغي ونكث العهد، فقالوا: يا محمد لا يغرنّك ما لقيت من قومك فإنهم لا علم لهم بالحرب ولو لقيتنا لَتعلمَن أنّا نحن الناس، وكانوا أشجع يهود، فأنزل الله في سورة آل عمران: قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12) قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآء إِنَّ فِى ذالِكَ لَعِبْرَةً لاِوْلِى الاْبْصَارِ(13) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51) فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (المائدة: 51 ــــ 52).
وعندما تظاهر يهود قينقاع بالعداوة وتحصنوا بحصونهم، سار إليهم عليه الصلاة والسلام في نصف شوال من هذه السنة، يحمل لواءه عمه حمزة، وخلَّف على المدينة أبا لبابة الأنصاري، فحاصرهم خمس عشرة ليلة.
جلاء بني قينقاع
ولما رأوا من أنفسهم العجز عن مقاومة المسلمين، وأدركهم الرعب، سألوا رسول الله أن يخلي سبيلهم، فيخرجوا من المدينة ولهم النساء والذريّة، وللمسلمين الأموال. فقَبِل ذلك عليه الصلاة والسلام، ووكَّل بجلائهم عبادةبن الصامت وأمهلهم ثلاث ليالٍ، فذهبوا إلى أَذْرعات، ولم يحل عليهم الحَوْل حتى هلكوا، وخمَّس عليه الصلاة والسلام أموالهم، وأعطى سهم ذوي القربى لبني هاشم ولبني المطلب دون بني أخويهما عبد شمس ونوفل، ولما سُئِل عن ذلك قال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد في الجاهلية والإسلام هكذا»، وشبك بين أصابعه.
غزوة السَّويق
كان أبو سفيان متهيجاً، لأنه لم يشهد بدراً التي قتل فيها ابنه وذوو قرباه فحلف ألاّ يمسّ رأسه الماء حتى يغزو محمداً، وليبرّ بقسمه خرج بمائتين من أصحابه يريد المدينة، ولما قارَبها، أراد أن يقابل اليهود من بني النضير ليهيجهم، ويستعين بهم على حرب المسلمين، فأتى سيدهم حُيَيَّبن أَخْطَب فلم يرضَ مقابلته، فأتى سَلاّمبن مِشْكم فأذن له واجتمع به، ثم خرج من عنده، وأرسل رجالاً من قريش إلى المدينة، فحرَّقوا في بعض نخلها، ووجدوا أنصارياً فقتلوه، ولما علم بذلك رسول الله، خرج في أثرهم في مائتين من أصحابه، لخمس خَلَون من ذي الحجة، بعد أن ولّى على المدينة بَشِيربن عبد المنذر، ولكن لم يلحقهم، لأنهم هربوا وجعلوا يخفّفون ما يحملونه ليكونوا أقدر على الإسراع، فألقوا ما معهم من جربِ السَّوِيق، فأخذه المسلمون، ولذلك سميت هذه الغزوة بغزوة السَّوِيق.
صلاة العيد
وفي هذا العام سنّ الله للعالم الإسلامي سنّة عظيمة، بها يتمكن أبناء البلد الواحد من المسلمين أن يجددوا عهود الإِخاء، ويقووا عُروة الدين الوثقى، وهي الاجتماع في يومي عيد الفطر وعيد الأضحى. وكان عليه الصلاة والسلام يجمع المسلمين في صعيد واحد، ويصلي بهم ركعتين تضرعاً إلى الله أن لا يَفْصِم عروتهم، وأن ينصرهم على عدوهم، ثم يخطبهم حاضَّاً لهم على الائتلاف، ومذكراً لهم ما يجب عليهم لأنفسهم، ثم يصافح المسلمون بعضهم بعضاً، وبعد ذلك يخرجون لأداء الصدقات للفقراء والمساكين، حتّى يكون السرور عامّاً لجميع المسلمين، فبعد الفطر زكاته، وبعد الأضحى تضحيته، نسأله تعالى أن يؤلّف بين قلوبنا، ويوفّقنا لأعمال سلفنا.
زواج علي بفاطمة عليهما السلام
وفي هذه السنة تزوج عليبن أبي طالب وعمره إحدى وعشرون سنة بفاطمة بنت رسول الله، وسنها خمس عشرة سنة، وكان منها عقب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوه: الحسن والحسين وزينب. وفيها دخل عليه الصلاة والسلام بعائشة بنت أبي بكر وسِنُّها إذ ذاك تسع سنوات.
السَّنة الثّالِثَة
يا لله يُقضى على الشقي بالشقاوة حتى لا يسمع ولا يبصر، فيتخذ الغدر رداءً، والخيانة شعاراً، فلا ينجح معه إلا إراحة العالم من شرّه. هذا كعببن الأشرف اليهودي عظيم بني النضير، أعمته عداوة المسلمين حتى خلعَ بُرقُع الحياء، وصار يحرض قريشاً على حرب رسول الله، ويهجوه بالشعر، ويجتهد في إثارة الشحناء بين المسلمين، فكلما جبر عليه الصلاة والسلام كسراً هاضه هذا الشقيُّ بما ينفثه من سموم لسانه.
قتل كعببن الأشرف
ولما انتصر المسلمون ببدر، ورأى الأسرى مقرَّنينَ في الحبال خرج إلى قريش يبكي قتلاهم ويحرِّضهُم على حرب المسلمين، فقال عليه الصلاة والسلام: «من لكعببن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟» فقال محمدبن مسلمة الأنصاري الأوسي: أتحِبُّ أن أقتله؟ قال: «نعم»، قال: أنا لك به، وائذنْ لي أقول شيئاً أتمكن به، فأذن له، ثم خرج ومعه أربعة من قومه حتى أتى كعباً فقال له: إن هذا الرجل ــــ يريد رسول الله ــــ قد سألنا صدقة وإنه قد عَنَّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضاً والله لتملّنهُ، قال: إنا قد اتّبعناه، فلا نحبُّ أن ندعه حتى ننظر إلى أيّ شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تُسْلِفنا وسْقاً أو وسقين. قال: نعم ولكن ارْهَنُوني. قالوا: أي شيء تُريد؟ قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نَرْهَنُك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فَيُسَبُّ أحدهم، فيقال: رُهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللأْمَةَ ــــ يعني: السلاح ــــ فرضي، فواعده ليلاً أن يأتيه فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة أخو كعب من الرضاع وعبَّادبن بِشر، والحارثبن أوس، وأبو عبس ابنُ جَبْر ــــ وكلهم أوسيّون ــــ فناداه محمدبن مسلمة، فأراد أن ينزلَ، فقالت له امرأته: أين تخرج الساعة وإنك امرؤ مُحارب؟ فقال: إنما هو ابن أخي محمدبن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دُعي إلى طعنة بليل لأجاب. ثم قال محمد لمن معه: إذا جاءني فإني آخذ بشعره فأشَمُّهُ، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه، فنزل إليهم كعب متوشِّحاً سيفه، وهو يَنْفَحُ منه ريح المسك. فقال محمد: ما رأيت كاليوم ريحاً أطيب، أتأذن لي أن أَشمَّ رأسك؟ قال: نعم فشمَّه، فلما استمكن منه قال: دونكم فاقتلوه ففعلوا، وأراح الله المسلمين من شر أعماله التي كان يقصدها بهم، ثم أتوا النبي فأخبروه، وكان قتل هذا الشقي في ربيع الأول من هذا العام، وكان عليه الصلاة
والسلام إذا رأى من رئيس غدراً، ومقاصد سوء، ومحبة لإثارة الحرب، أرسل له من يُريحه من شرّه. وقد فعل كذلك مع أبي عَفَك اليهودي وكان مثل كعب في الشر.
غزوة غَطَفَان
بلغ رسول الله أن بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمعوا برياسة رئيس منهم اسمه دُعْثُور، يريدون الغارة على المدينة، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يَغُلَّ أيديهم كيلا يتمكنوا من هذا الاعتداء، فخرج إليهم من المدينة في أربعمائة وخمسين رجلاً لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وخلف على المدينة عثمانبن عفان. ولما سمعوا بسير رسول الله هربوا إلى رؤوس الجبال، ولم يَزَل المسلمون سائرين حتى وصلوا ماء يُسمى ذا أَمَرَّ، فعسكروا به، وحدث أنه عليه الصلاة والسلام نزع ثوبه يجفِّفه من مطر بلَّله وارتاح تحت شجرة والمسلمون متفرقون، فأبصره دُعثور فأقبل إليه بسيفه حتى وقف على رأسه، وقال: مَنْ يمنعك مني يا محمد؟ فقال: «الله»، فأدركت الرجل هيبةٌ ورعبٌ أسقطا السيف من يده، فتناوله عليه الصلاة والسلام، وقال لدعثور: «مَنْ يمنعك مني»؟ قال: لا أحد. فعفا عنه فأسلم الرجل، ودعا قومه للإسلام، وحوّل الله قلبه من عداوة رسول الله، وَجمْع الناس لحربه إلى محبته وجمع الناس له، {ذالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآء} (المائدة: 54) وهذا ما ينتجه حسن المعاملة، والبعد عن الفظاظة وغلظ القلب، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الاْمْرِ} (آل عمران: 159).
غزوة بُحْران
بلغه عليه الصلاة والسلام أن جمعاً من بني سُليم يريدون الغارة على المدينة، فسار إليهم في ثلاثمائة من أصحابه لِسِتَ خَلَون من جمادى الأولى، وخلَّف على المدينة ابن أم مكتوم، ولما وصل بُحران تفرقوا، ولم يلق كيداً فرجع.
سرية
لما تيقنت قريش أن طريق الشام من جهة المدينة أُغلق في وجه تجارتهم، ولا يمكنهم الصبر عنها لأن بها حياتهم، أرسلوا عِيراً إلى الشام من طريق العراق، وكان فيها جمع من قريش منهم أبو سفيانبن حرب، وصفوانبن أمية، وحويطببن عبد العزى، فجاءت أخبارهم لرسول الله، فأرسل لهم زيدبن حارثة في مائة راكب يترقبونهم، وكان ذلك في جمادى الآخرة، فسارت السرية حتى لقيت العِير على ماء اسمه القَرْدَة بناحية نجد فأخذت العِير وما فيها، وهرب الرجال، وقد خمَّس الرسول عليه الصلاة والسلام هذه حينما وصلت له.
غزوة أُحُد
ولما أصابَ قريشاً ما أصابها ببدر، وأُغْلِقت في وجوههم طرق التجارة، اجتمع مَنْ بقي من أشرافهم إلى أبي سفيان رئيس تلك العير التي جلبت عليهم المصائب، وكانت موقوفة بدار الندوة، ولم تكن سُلِّمت لأصحابها بعد، فقالوا: إن محمداً قد وَتَرنا، وقتل خيارنا، وإنّا رضينا أن نتركَ ربح أموالنا فيها، استعداداً لحرب محمد وأصحابه، وقد رضي بذلك كلُّ من له فيها نصيب، وكانَ ربحها نحواً من خمسين ألف دينار، فجمعوا لذلك الرجال، فاجتمع من قريش ثلاثة آلاف رجل ومعهم الأحابيش ــــ وهم حلفاؤهم من بني المصْطَلق وبني الهونبن خزيمة، ومعهم أبو عامر الراهب الأوسي، وكان قد فارق المدينة كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عدد ممّن هم على شاكلته، وخرج معهم جماعات من أعراب كِنانة وتهامة، وقال صفوانبن أمية لأبي عَزّةَ الشاعر ــــ الذي لا ينسى القارىء أن الرسول مَنَّ عليه ببدر وأطلقه من غير فداء ــــ: إنك رجل شاعر فأعِنّا بلسانك، فقال: إني عاهدت محمداً ألاّ أعِين عليه، وأخاف إن وقعتُ في يده مرة ثانية ألا أنجو، فلم يزل به صفوان حتى أطاعه، وذهب يستنفر الناس لحرب المسلمين، ودعا جُبيربن مُطْعِمٍ غلاماً حبشياً له، اسمه وَحشي، وكان رامياً قلّما يُخطىء، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة بعمِّي طُعَيْمة فأنت حر. ثم خرج الجيش، ومعهم القِيانُ والدفوف والمعازف والخمور، واصطحب الأشرافُ منهم نساءهم كيلا ينهزموا، ولم يزالوا سائرين حتى نزلوا مقابل المدينة بذي الحُلَيفة.
أما رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان قد بلغه الخبر من كتاب بعث به إليه عمه العباسبن عبد المطلب، الذي لم يخرج مع المشركين في هذه الحرب، محتجّاً بما أصابه يوم بدر. ولما وصلت الأخبار باقتراب المشركين، جمع عليه الصلاة والسلام أصحابه وأخبرهم الخبر، وقال: «إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن هم أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم» فكان مع رأيه شيوخ المهاجرين والأنصار ورأى ذلك أيضاً عبد اللهبن أُبيّ، أما الأحداث وخصوصاً مَنْ لم يشهد بدراً منهم فأشاروا عليه بالخروج، وكان مع رأيهم حمزةبن عبد المطلب، وما زال هؤلاء بالرسول حتى تبع رأيهم، لأنهم الأكثرون عدداً والأقوون جلداً، فصلى الجمعة بالناس في يومها لعشر خَلَون من شوال، وحضّهم في خطبتها على الثبات والصبر وقال لهم: «لكم النصر ما صبرتم» ثم دخل حجرته، ولبس عدّته، فظاهر بين درعين، وتقلد السيف، وألقى الترس وراء ظهره. ولما رأى ذوو الرأي من الأنصار أن الأحداث استكرهوا الرسول على الخروج لاموهم، وقالوا: ردّوا الأمر لرسول الله، فما أمر ائتمرنا، فلما خرج عليه الصلاة والسلام، قالوا: يا رسول الله نَتَّبعُ رأيك، فقال: «ما كان لنبي لَبِسَ سلاحه أن يضعه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه» ثم عقد الألوية فأعطى لواء المهاجرين لمصعببن عمير، ولواء الخزرج للحُباببن المنذر، ولواء الأوس لأُسيدبن الحضير، وخرج من المدينة بألف رجل. فلما وصلوا رأس الثنية، نظر عليه الصلاة والسلام إلى كتيبة كبيرة، فسأل عنها، فقيل: هؤلاء حلفاء عبد اللهبن أُبيّ من اليهود، فقال: «إنّا لا نستعين بكافر على مشرك» وأمر بردّهم لأنه لا يأمن جانبهم من حيث لهم اليد الطُولى في الخيانة.g ثم استعرض الجيش فردَّ من استصغر، وكان فيمن ردّ: رافعبن خديج، وسَمُرَةبن جُندب، ثم أجاز رافعاً لما قيل له إنه رامٍ، فبكى سَمُرة، وقال لزوج أمه: أجاز رسول الله رافعاً وردّني مع
أني أصرعه، فبلغ رسول الله الخبر، فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سمرة، فأجازه. ثم بات عليه الصلاة والسلام محله ليلة السبت، واستعمل على حرس الجيش محمدبن مسلمة، وعلى حرسه الخاص ذكوانبن عبد قيس. وفي السَّحَر سار الجيش حتى إذا كان بالشَّوْطِ ــــ وهو بستان بين أُحُد والمدينة ــــ رجع عبد اللهبن أُبَيَ بثلاثمائة من أصحابه وقال: عصاني وأطاع الوِلْدان فعلام نقتل أنفسنا؟ فتبعهم عبد اللهبن عمرو والد جابر، وقال: يا قوم أُذَكِّركُمُ الله ألا تخذلوا قومكم ونبيّكم، {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} (آل عمران: 167) فقال لهم: أَبْعَدَكُم الله، فسيغني الله عنكم نبيّه. ولما فعل ذلك عبد اللهبن أُبَيّ، همَّت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا: بنو حارثة من الأوس، وبنو سَلِمة من الخزرج، فعصمهما الله. وقد افترق المسلمون فرقتين فيما يفعلون بالمنخذلين، فقوم يقولون: نقاتلهم، وقوم يقولون: نتركهم، فأنزل الله في سورة النساء: {فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً(88)
هذا، ولما قُتل حَمَلةُ اللواء من المشركين، ولم يقدر أحدٌ على الدنو منه ولَّوا الأدبار ونساؤهم يبكين ويُولولن، وتبعهم المسلمون يجمعون الغنائم والأسلاب، فلما رأى ذلك الرماة الذين يحمون ظهور المسلمين فوق الجبل، قالوا: ما لنا في الوقوف من حاجة، ونسوا أمر السيد الحكيم صلى الله عليه وسلم، فذكرّهم رئيسهم به فلم يلتفتوا وانطلقوا ينتهبون. أما رئيسُهم فثبت وثبت معه قليل منهم، فلما رأى خالدُبن الوليد ــــ أحدُ رؤساء المشركين ــــ خُلُوَّ الجبل من الرماة، انطلق ببعض الجيش، فقتل من ثبت من الرماة، وأتى المسلمين من ورائهم وهم مشتغلون بدنياهم، فلما رأوا ذلك البلاء دهشوا وتركوا ما بأيديهم، وانتقضتْ صفوفهم، واختلطوا من غير شعار، حتى صار يضرب بعضُهم بعضاً، ورفعت إحدى نساء المشركين اللواء فاجتمعوا حوله، وكان من المشركين رجل يقال له ابن قَمِئَةَ قتل مُصعَببن عمير صاحب اللواء، وأشاع أن محمداً قد قتل، فدخل الفشلُ في المسلمين حتى قال بعضُهم: علامَ نقاتل إذا كان محمد قد قُتل؟ فارجعوا إلى قومكم يؤَمِّنُوكم. وقال جماعة: إذا كان محمد قد قُتل فقاتلوا عن دينكم. وكان من نتيجة هذا الفشل أن انهزم جماعةٌ من المسلمين، من بينهم: الوليدبن عقبة، وخارجةبن زيد، ورِفاعةبن المعلى، وعثمانبن عفان، وتوجهوا إلى المدينة، ولكنهم استحيوا أن يدخلوها، فرجعوا بعد ثلاث، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه جماعة، منهم أبو طلحة الأنصاري استمر بين يديه يمنع عنه بحَجَفَتِهِ، وكان رامياً شديد الرمي. فنثر كِنانته بين يدي رسول الله، وصار يقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقَاء. وكل من كان يمر ومعه كنانة يقول له عليه الصلاة والسلام: «انثرها لأبي طلحة»، وكان ينظر إلى القوم ليرى مواضع النبل، فيقول له أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، لا تنظر يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك.
وممّن ثبتَ سعدبن أبي وقاص، فكان عليه الصلاة والسلام يقول له: «ارمِ سعد فداك أبي وأمي». ومنهم سهلبن حُنَيف وكان من مشاهير الرماة نضحَ عن رسول الله بالنبل حتى انفرج عنه الناس. ومنهم أبو دُجانة سِمَاكُبن خَرَشَة الأنصاري تترس على رسول الله، فصار النبلُ يقع على ظهره وهو منحنٍ حتى كثر فيه. وكان يقاتل عن الرسول زيادةبن الحارث حتى أصابت الجراحُ مقاتله، فأمر به فأُدني منه ووسده قدمه حتى مات. وقد أصابه عليه الصلاة والسلام شدائد عظيمة تحمَّلها بما أعطاه الله من الثبات، فقد أقبل أُبيُّبن خلف يريد قتله فأخذ عليه الصلاة والسلام الحربة ممّن كانوا معه، وقال: «خلّوا طريقه»، فلمّا قَرُب منه ضربه ضربةً كانت سببَ هلاكه وهو راجع، ولم يقتل رسول الله غيره لا في هذه الغزوة ولا في غيرها.
وكان أبو عامر الراهب قد حفر حُفراً وغطّاها ليقَع فيها المسلمون، فوقعَ الرسول في حفرة منها، فأُغمي عليه، وخُدشت ركبتاه، فأخذ عليّ بيده، ورفعه طلحةبن عبيد الله ــــ وهما ممّن ثبت ــــ حتى استوى قائماً، فرماه عتبةبن أبي وقاص بحجر كسر رباعيته فتبعه حاطببن أبي بلتعة فقتله، وشَجَّ وجهه عليه الصلاة والسلام عبد اللهبن شهاب الزهري، وجرحت وجنتاه بسبب دخول حلقتي المغفر فيهما من ضربة ضربه بها ابن قَمِئَةَ غضب الله عليه، فجاء أبو عبيدة وعالج الحلقتين حتى نزعهما، فكُسرت في ذلك ثنيتاه، وقال حينئذٍ عليه الصلاة والسلام: «كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيّهم؟» فأنزل الله في سورة آل عمران: لَيْسَ لَكَ مِنَ الاْمْرِ شَىْء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ(128)
وقد أصاب المسلمين الذين كانوا يحوطون رسول الله كثير من الجراحات، لأن الشخص منهم كان يتلقى السهم، خوفاً أن يصل للرسول، فوجد بطلحة نيفٌ وسبعون جراحة، وشلَّت يده، وأصاب كعببن مالك سبع عشرة جراحة. أما القتلى فكانوا نيفاً وسبعين منهم ستة من المهاجرين، والباقون من الأنصار. ومن المهاجرين: حمزةبن عبد المطلب، ومصعببن عمير، ومن الأنصار حنظلةبن أبي عامر، وعمروبن الجموح، وابنه خلاَّدبن عمرو، وأخو زوجه والدُ جابربن عبد الله، فأتت زوج عمرو هندُ بنت عمروبن حرام وحملتهم: زوجها وابنها وأخاها على بعير لتدفنهم بالمدينة، فنهى عليه الصلاة والسلام عن الدفن خارج أحد، فرجعوا. وقتل سعدبن الربيع، وأرسل عليه الصلاة والسلام مَن يأتيه بخبره فوجده بين القتلى، وبه رمق، فقيل له: إن رسول الله يسأل عنك، فقال لمُبِلغه: قُل لقومي: يقولُ لكم سعدُبن الربيع: الله الله وما عاهدتم عليه رسوله ليلة العقبة، فوالله ما لكم عند الله عذر. وقتل أنسبن النضر عمّ أنسبن مالك، فإنه لما سمع بقتل رسول الله قال: يا قوم ما تصنعون بالبقاء بعده؟ موتوا على ما مات عليه إخوانكم، فلم يزل يقاتل حتى قُتل رضي الله عنه.
ومَثَّلتْ قريش بقتلى أُحُد حتى إن هنداً زوج أبي سفيان بقرت بطن حمزة، وأخذت كبده لتأكلها، فلاكتها ثم أرسلتها، وفعلوا قريباً من ذلك بإخوانه الشهداء. ثم إن أبا سفيان صعد الجبل ونادى بأعلى صوته: نِعْمَتْ فعالِ، إن الحربَ سِجالٌ، يومٌ بيوم بدر، وموعدكم بدر العام المقبل، ثم قال: إنكم ستجدون في قتلاكم مُثْلَةً لم آمر بها ولم تَسُؤْني. ثم إن المشركين رجعوا إلى مكة ولم يعرجوا على المدينة، وهذا مما يدل على أن المسلمين لم ينهزموا في ذلكَ اليوم، وإلا لم يكن بدٌّ من تعقب المشركين لهم حتى يُغِيروا على مدينتهم. ثم تفقَّد عليه الصلاة والسلام القتلى وحزن على عمه حمزة حزناً شديداً، ودفن الشهداء كلهم بأُحُد، كل شهيد بثوبه الذي قتل فيه. وكانوا يدفنون الرجلين والثلاثة في لحد واحد لما كان عليه المسلمون من تعب، فكان يشقّ عليهم أن يحفروا لكل شهيد حفرة. ولما رجع المسلمون إلى المدينة سخر منهم اليهود والمنافقون، وأظهروا ما في قلوبهم من البغضاء، وقالوا لإخوانهم: لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} (آل عمران: 156).
وهذا الذي ابتلي به المسلمون درس مهم لهم، يذكِّرهم بأمرين عظيمين تركهما المسلمون فأُصيبوا، أولهما: طاعة الرسول في أمره، فقد قال للرماة: لا تبرحوا مكانكم إن نحن نُصرنا أو قُهرنا، فعصوا أمره ونزلوا. والثاني: أن تكون الأعمال كلها لله غير منظورة فيها لهذه الدنيا التي كثيراً ما تكون سبباً في مصائب عظيمة، وهؤلاء أرادوا عَرض الدنيا، والتهَوا بالغنائم حتى عُوقبوا، وفي ذلك أنزل الله في سورة آل عمران التي فَصَّلَتْ غزوة أُحُد: ّ ْ ا لله ـ » « صلى الله عليه وسلم } مّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاْخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(152)
غزوة حمراء الأسد
لما رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة أصبح حَذِراً من رجوع المشركين إلى المدينة ليتمموا انتصارهم، فنادى في أصحابه بالخروج خلف العدو، وألاّ يخرج إلا من كان معه بالأمس، فاستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القَرح، فضمَّدوا جراحاتهم وخرجوا واللواء معقود لم يُحَلَّ، فأعطاه عليبن أبي طالب، وولى على المدينة ابن أم مكتوم، ثم سار الجيش حتى وصلوا حمراء الأسد وقد كان ما ظنه الرسول حقاً، فإن المشركين تلاوموا على ترك المسلمين من غير شن الغارة على المدينة حتى يتم لهم النصر، فأصرّوا على الرجوع، ولكن لما بلغهم خروج الرسول في أثرهم ظنوا أنه قد حضر معه مَنْ لم يحضر بالأمس، وألقى الله الرعب في قلوبهم، فتمادوا في سيرهم إلى مكة، وظفر عليه الصلاة والسلام وهم في حمراء الأسد بأبي عزة الشاعر، الذي مَنَّ عليه ببدر بعد أن تعهد ألاّ يكون على المسلمين، فأمر بقتله، فقال: يا محمد أقلْني، وامنُن عليّ، ودعني لبناتي، وأعطيك عهداً ألاّ أعود لمثل ما فعلت، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعتُ محمداً مرتين، لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين، اضرب عنقه يا زبير» فضرب عنقه، وفي هذا تأديب عظيم من صاحب الشرع الشريف، فإن الرجل الذي لا يحترز مما أُصيب منه ليس بعاقل، فلا بدّ من الحزم لإقامة دعائم المُلْك.
حوادث
وفي هذه السنة زوَّج عليه الصلاة والسلام بنته أُم كلثوم لعثمانبن عفان بعد أن ماتت رقية عنده، ولذلك كان يُسَمَّى ذا النورين. وفيها تزوَّج عليه الصلاة والسلام حفصة بنت عمربن الخطاب، وأُمُّها أخت عثمانبن مظعون، وكانت قبله تحت خُنيسبن حذافة السهمي رضي الله عنه، فتوفي عنها بجراحة أصابته ببدر، وفيها تزوج عليه الصلاة والسلام زينبَ بنت خزيمة الهلالية من بني هلالبن عامر، كانت تدعى في الجاهلية أُم المساكين لرأفتها وإحسانها إليهم، وكانت قبله تحت عبد اللهبن جحش، فقُتل عنها بأُحُد وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، وفيها ولد الحسنبن علي رضي الله عنهما. وفيها حُرمت الخمر، وكان تحريمها بالتدريج، لما كان عليه العرب من المحبة الشديدة لها، فيصعب إذاً تحريمها دفعة واحدة، وكان ذلك التحريم تابعاً لحوادث تُنَفِّر عنها، لأن المنكر إذا أُسند تحريمه لحادثة أقرّ الجميع على تقبيحها كان ذلك أشدّ تأثيراً في النفس. فأولُ ما بُيِّن فيها قوله تعالى في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (البقرة: 219). فمنفعة الميسر التصدق بربحه على الفقراء كما كانت عادة العرب، ومنفعة الخمر تقوية الجسم، ولما شربها بعض المسلمين وخلَّط في القراءة حُرِّمت الصَّلاة على السكران، فقال تعالى في سورة النساء: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} (النساء: 43) ولما حدثَ من شربها اعتداء بعض المسلمين على إخوانهم حُرِّمت قطعياً بقوله تعالى في سورة المائدة: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاْنصَابُ وَالاْزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآء
فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ(91)
السَّنة الرَّابعة
سرية
في بدء السنة الرابعة بلغ رسول الله أن طُليحة وسلمة ابني خويلد الأسديين يدعوان قومهما بني أسد لحربه عليه الصلاة والسلام، فدعا أبا سلمةبن عبد الأسد المخزومي، وعقد له لواءً وقال له: «سِرْ حتى تنزل أرض بني أسدبن خزيمة فَأَغِرْ عليهم»، وأرسل معه رجالاً، فسار في هلال المحرم حتى بلغ قَطَناً فأغار عليهم، فهربوا من منازلهم، ووجد أبو سلمة إبلاً وشاءً فأخذها، ولم يلق حرباً، ورجع بعد عشرة أيام من خروجه.
سرية
وفي بدئها أيضاً بلغه عليه الصلاة والسلام أن سفيانبن خالدبن نُبَيْح الهُذلي المقيم بعُرَنَة يجمع الجموعَ لحربه، فأرسل له عبد اللهبن أُنَيْس الجهني وحده ليقتله، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَتَقَوَّلَ حتى يتمكن، فأذن له، وقال: «انتسب لخزاعة»، فخرج لخمس خَلَون من المحرم، ولما وصل إليه قال له سفيان: ممّن الرجل؟ قال: من خُزاعة، سمعتُ بجمعك لمحمد فجئت لأكون معك، فقال له: أجل، إني لفي الجمع له، فمشى عبد الله معه وحدَّثه وسفيان يستحلي حديثه، فلما انتهى إلى خِبائه تفرق الناس عنه فجلس معه عبد الله حتى نام، فقام وقتله، ثم ارتحل حتى أتى المدينة، ولم يلحقه الطلب وكفى الله المؤمنين القتال.
سرية
وفي صَفَر أرسل عليه الصلاة والسلام عشرة رجال عيوناً على قريش، مع رهط عَضَل والقَارَةِ، الذين جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون من يفقِّههم في الدين، وأمَّر عليهم عاصمبن ثابت الأنصاري، فخرجوا يسيرون الليل ويكمنون النهار حتى إذا كانوا بالرَّجيع غدر بهم أولئك الرهط، ودلُّوا عليهم هذيلاً قوم سفيانبن خالد الهذلي الذي كان قتله عبد اللهبن أنيس، فنفروا إليهم فيما يقرب من مائتي رامٍ، واقتفوا آثارهم حتى قربوا منهم، فلما أحسَّ بهم رجال السرية لجؤوا إلى جبل هناك، فقال لهم الأعداء: انزلوا ولكم العهد ألاّ نقتلكم، فنزل إليهم ثلاثة اغتروا بعهدهم، وقاتلهم الباقون، ومعهم عاصم غير راضين بالنزول في ذمة مشرك. ولما رأى الثلاثة الذين سلَّموا عينَ الغدر امتنع أحدهم فقتلوه، وأما الاثنان فباعوهما بمكة ممّن كان له ثأر عند المسلمين، وهناك قُتِلا. وقد قال أحدهما وهو خُبيببن عدي حين أرادوا قتله:
وَلَسْتُ أُبالي حينَ أُقْتَلُ مُسْلِماًعلى أَيِّ جَنْبٍ كان في الله مَصْرَعيوذلكَ في ذاتِ الإلهِ وَإِنْ يَشَأْيُبَاركْ على أَوصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
سرية
وفي صَفَر وفد على رسول الله أبو براء عامربن مالك مُلاعِبُ الأسنّة، وهو من رؤوس بني عامر، فدعاه عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، بل قال: إني أرى أمرك هذا حسناً شريفاً ولو بعثتَ معي رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوتُ أن يستجيبوا لك، فقال عليه الصلاة والسلام: «إني أخشى عليهم أهل نجد». فقال أبو براء عامر: أنا لهم جار، فأرسل معه المنذربن عمرو في سبعين من أصحابه كانوا يُسَمَّون القرَّاء لكثرة ما كانوا يحفظون من القرآن، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فبعثوا حَرَامبن مِلحان بكتاب إلى عامربن الطفيل سيدِ بني عامر، فلما وصل إليه لم يلتفت إلى الكتاب بل عدا على حَرَام فقتله، ثم استصرخ على بقية البعثة أصحابه من بني عامر فلم يرضوا أن يخفروا جوار ملاعب الأسنة، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سُليم، وهم رِعْلٌ وذَكوان وعُصَيَّة فأجابوا وذهبوا معه، حتى إذا التقوا بالقرَّاء أحاطوا بهم، وقاتلوهم حتى قتلوهم عن آخرهم، بعد دفاع شديد لم يُجْدِهم نفعاً لقلّة عددهم وكثرة عدوهم، ولم ينجُ إلا كعببن زيد، وقع بين القتلى حتى ظُنَّ أنه منهم، وعمروبن أمية كان في سَرْح القوم. وَأُبْلِغَ عليه الصلاة والسلام خبر القراء فخطب في أصحابه، وكان فيما قال: «إن إخوانكم قد لقوا المشركين وقتلوهم، وإنهم قالوا: ربنا بلِّغ قومنا أنّا قد لقينا ربنا فرضينا عنه ورضي عنّا»، وكان وصول خبر هذه السرية وسرية الرجيع في يوم واحد، فحزن عليهم صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً، وأقام يدعو على الغادرين بهم شهراً في الصلاة.
غزوة بني النَّضِير
يا لله، ما أسوأ عاقبة الطيش فقد تكون الأمة مرتاحة البال، هادئة الخواطر، حتى تقوم جماعة من رؤسائها بعمل غدر، يظنون من ورائه النجاح، فيجلب عليهم الشرور ويشتتهم من ديارهم، وهذا ما حصل ليهود بني النضير حلفاء الخزرج، الذين كانوا يجاورون المدينة، فقد كان بينهم وبين المسلمين عهود يأمن بها كلٌّ منهم الآخر، ولكن بنو النضير لم يوفوا بهذه العهود حسداًمنهم وبغياً. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض من أصحابه في ديار بني النضير إذ ائتمر جماعة منهم على قتله بأن يأخذ واحدٌ منهم صخرةً ويلقيها عليه من علو، فأُطلع عليه الصلاة والسلام على قصدهم، فرجع وتبعه أصحابه، ثم أرسل لهم محمدبن مسلمة يقول لهم: «اخرجوا من بلادي فقد هممتم بما هممتم من الغدر». إذ الحزم كل الحزم ألا يتهاون الإنسان مع مَنْ عُرف منه الغدر، فتهيأ القوم للرحيل، فأرسل لهم إخوانهم المنافقون يقولون: لا تخرجوا من دياركم ونحن معكم لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(11) لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الاْدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ(12) أَشَدُّ الْكِتَابِ فِى أَبَداً إِنَّكَ نَافَقُواْ تَرَ جَآءوا خَصَاصَةٌ خَصَاصَةٌ عَلَى خَصَاصَةٌ وَمَن أُخْرِجْتُمْ وَاللَّهُ أَبَداً أَحَداً قُوتِلْتُمْ فِى أَبَداً إِنَّهُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ رَّحِيمٌ الَّذِينَ وَإِن مِنْ وَاللَّهُ فِى قُلُوبِنَا لَنَنصُرَنَّكُمْ أَلَمْ فِى فِى أَبَداً وَاللَّهُ مِنْ رَّحِيمٌ عَلَى وَاللَّهُ لّلَّذِينَ سَبَقُونَا رَءوفٌ تَرَ وَاللَّهُ فِى مِنْ قُوتِلْتُمْ فِى أَبَداً رَبَّنَآ وَلإِخْوانِنَا عَلَى نُطِيعُ سَبَقُونَا وَإِن تَرَ مِنْ أَبَداً
إِنَّهُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ فِى أَبَداً يَقُولُونَ غِلاًّ وَاللَّهُ فِى أَبَداً الَّذِينَ وَإِن قُلُوبِنَا فِى أَبَداً لّلَّذِينَ لَنَنصُرَنَّكُمْ إِنَّهُمْ بِالإَيمَانِ أَبَداً فيكُمْ لّلَّذِينَ فِى أَبَداً لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن عَلَى نُطِيعُ أَبَداً وَإِن فِى فِى رَبَّنَآ لّلَّذِينَ وَإِن مِنْ فِى أَبَداً قُوتِلْتُمْ فِى الَّذِينَ عَلَى رَءوفٌ تَرَ رَبَّنَآ قُلُوبِنَا
لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن عَلَى وَاللَّهُ فِى الَّذِينَ لّلَّذِينَ مِنْ وَإِن أَبَداً مِنْ أَبَداً يَشْهَدُ فِى أَبَداً وَإِن رَّحِيمٌ إِنَّهُمْ قُوتِلْتُمْ غِلاًّ فِى قُلُوبِنَا قُوتِلْتُمْ سَبَقُونَا يَخْرُجُونَ وَإِن وَإِن أَحَداً لّلَّذِينَ وَاللَّهُ وَإِن عَلَى وَاللَّهُ سَبَقُونَا مِنْ الَّذِينَ يَشْهَدُ تَرَ فِى إِنَّهُمْ لّلَّذِينَ لَنَنصُرَنَّكُمْ مِنْ أَبَداً إِنَّهُمْ وَلَئِن فِى لَكَاذِبُونَ وَلَوْ سَبَقُونَا وَإِن فِى قُلُوبِنَا قُوتِلْتُمْ وَاللَّهُ فِى أَبَداً قُوتِلْتُمْ لإِخْوَانِهِمُ إِنَّهُمْ تَرَ نُطِيعُ لّلَّذِينَ إِنَّكَ يَقُولُونَ وَلَئِن لاَ قُوتِلْتُمْ وَاللَّهُ فِى نُطِيعُ إِنَّهُمْ إِنَّكَ يَقُولُونَ وَاللَّهُ قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن وَاللَّهُ كَفَرُواْ قُوتِلْتُمْ وَاللَّهُ فِى سَبَقُونَا قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن وَإِن فِى قُوتِلْتُمْ مِنْ لّلَّذِينَ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن وَإِن قُوتِلْتُمْ فِى وَلَئِن عَلَى نُطِيعُ إِنَّكَ فِى يَقُولُونَ تَرَ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن مِنْ أَبَداً إِنَّهُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ فِى أَبَداً يَقُولُونَ غِلاًّ وَاللَّهُ فِى أَبَداً الَّذِينَ وَإِن الَّذِينَ لّلَّذِينَ أَبَداً إِنَّهُمْ فِى أَبَداً أُخْرِجُواْ عَلَى ءامَنُواْ وَإِن سَبَقُونَا وَإِن تَرَ قُلُوبِنَا فيكُمْ الَّذِينَ مِنْ قُوتِلْتُمْ رَءوفٌ إِنَّهُمْ
أَبَداً لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن أَبَداً إِنَّهُمْ أَحَداً وَاللَّهُ قُوتِلْتُمْ سَبَقُونَا رَّحِيمٌ مِنْ يَشْهَدُ وَلاَ أَبَداً يَشْهَدُ لّلَّذِينَ الَّذِينَ أَبَداً إِنَّهُمْ وَإِن لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن عَلَى نُطِيعُ فيكُمْ أَلَمْ نُطِيعُ فِى وَلَئِن نُطِيعُ إِنَّهُمْ فيكُمْ أَبَداً وَاللَّهُ قُلُوبِنَا لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن فِى أَبَداً تَرَ مِنْ قُلُوبِنَا وَاللَّهُ أَبَداً وَإِن إِنَّهُمْ تَرَ وَاللَّهُ فِى وَإِن قُوتِلْتُمْ مِنْ قُلُوبِنَا رَّحِيمٌ فِى وَلَئِن قُلُوبِنَا قُوتِلْتُمْ سَبَقُونَا يَخْرُجُونَ قُلُوبِنَا لاَ إِنَّهُمْ وَلَئِن أُخْرِجُواْ وَإِن الَّذِينَ فِى مِنْ رَّحِيمٌ غِلاًّ عَلَى قُلُوبِنَا أَبَداً رَءوفٌ أَلَمْ أَبَداً لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن عَلَى أَحَداً وَإِن فِى رَءوفٌ أَلَمْ أَبَداً قُلُوبِنَا قُوتِلْتُمْ إِنَّهُمْ فيكُمْ إِنَّهُمْ قُوتِلْتُمْ فيكُمْ فِى مِنْ وَإِن قُوتِلْتُمْ فيكُمْ قُلُوبِنَا أَبَداً لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن عَلَى نُطِيعُ الَّذِينَ سَبَقُونَا أَبَداً وَاللَّهُ فِى تَرَ الَّذِينَ وَاللَّهُ أَبَداً فِى وَلَئِن سَبَقُونَا قُوتِلْتُمْ إِنَّهُمْ رَبَّنَآ أَبَداً إِنَّهُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن عَلَى وَاللَّهُ إِنَّهُمْ أَحَداً نُطِيعُ وَلَئِن مِنْ قُوتِلْتُمْ رَّحِيمٌ وَإِن فِى تَجْعَلْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن عَلَى وَاللَّهُ سَبَقُونَا قُوتِلْتُمْ أَبَداً لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن وَإِن فِى إِنَّكَ وَإِن أَبَداً لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِنَا أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ سَبَقُونَا وَإِن وَاللَّهُ فِى أَبَداً لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن عَلَى وَلاَ الَّذِينَ أَبَداً غِلاًّ فِى أَبَداً إِنَّكَ تَرَ قُلُوبِنَا نُطِيعُ نُطِيعُ مِنْ أَبَداً عَلَى وَاللَّهُ يَقُولُونَ فِى تَرَ فِى أَبَداً إِنَّهُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ رَّحِيمٌ إِنَّهُمْ رَءوفٌ تَرَ
قُلُوبِنَا وَاللَّهُ قُوتِلْتُمْ قُلُوبِنَا إِنَّهُمْ وَاللَّهُ لّلَّذِينَ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن قُلُوبِنَا سَبَقُونَا إِنَّهُمْ رَّحِيمٌ إِنَّهُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَإِن أَحَداً إِنَّهُمْ إِنَّهُمْ الَّذِينَ أَحَداً قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ فِى فِى أَبَداً وَإِن الَّذِينَ أَبَداً وَإِن وَاللَّهُ قُوتِلْتُمْ وَلَوْ
ولما سار اليهود نزل بعضهم بخيبر، ومنهم أكابرهم حُيَيُّبن أخطب، وسلاّمبن أبي الحُقَيْق، ومنهم من سار إلى أَذْرعَات بالشام، وأسلم منهم اثنان: يامينبن عمرو وأبو سعدبن وهب، ولم يخمِّس رسولُ الله ما أخذ من بني النضير، فإنه فيءٌ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، ومثل هذا يكون لمعدّات الحرب، وللرسول، يطعم منه أهله، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كما قال تعالى في سورة الحشر: مَّآ أَفَآء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاْغْنِيَآء مِنكُمْ} (الحشر: 7) فأعطى عليه الصلاة والسلام من هذا الفيء فقراء المهاجرين، الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم، وردّوا لإخوانهم من الأنصار ما كانوا قد أخذوه منهم أيام هجرتهم، وأخذ عليه الصلاة والسلام أرضاً يزرعها ويدّخِر منها قُوت أهله عاماً.
غزوة ذات الرقاع
وفي ربيع الآخر بلغه عليه الصلاة والسلام أن قبائل من نجد يتهيؤون لحربه، وهم: بنو محارب وبنو ثعلبة، فتجهَّز لهم، وخرج في سبعمائة مقاتل، وولّى على المدينة عثمانبن عفان، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ديار القوم، فلم يجدوا فيها أحداً غير نسوة فأخذهنّ، فبلغ الخبر رجالهم، فخافوا وتفرقوا في رؤوس الجبال، ثم اجتمع جمع منهم وجاؤوا للحرب، فتقارب الناسُ، وأخافَ بعضهم بعضاً. ولما حانت صلاة العصر وخاف عليه الصلاة والسلام أن يغدر بهم الأعداء وهم يصلّون، صلى بالمسلمين صلاة الخوف، فألقى الله الرعب في قلوب الأعداء، وتفرقت جموعهم خائفين منه صلى الله عليه وسلم.
ومال الإمام البخاري إلى أن هذه الغزوة كانت في السنة السابعة وأجمعَ أهلُ السِّيَرِ على خلافه.
غزوة بدر الآخرة
لما أهلّ شعبانُ هذا العام كان موعد أبي سفيان، فإنه بعد انقضاء غزوة أُحُد قال للمسلمين: موعدنا بدر العام المقبل، فأجابه الرسول إلى ذلك، وكان بدر محل سوق تُعقد كل عام للتجارة في شعبان يقيم التجار فيه ثمانياً، فلما حَلَّ الأجلُ وقريش مُجدبون، لم يتمكن أبو سفيان من الإيفاء بوعده، فأراد أن يخذل المسلمين عن الخروج كيلا يُوسم بخلف الوعد، فاستأجر نُعيمبن مسعود الأشجعي، ليأتي المدينة ويُرجفَ بما جمعه أبو سفيان من الجموع العظيمة، فقدم نُعيم المدينة وقال للمسلمين: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173) ولم يلتفت عليه الصلاة والسلام لهذا الإرجاف اتِّكالاً على ربه، بل خرج بألف وخمسمائة من أصحابه، واستخلف على المدينة عبد اللهبن عبد اللهبن أُبَيَ. ولم يزالوا سائرين حتى أتوا بدراً، فلم يجدوا بها أحداً لأن أبا سفيان أشار على قريش بالخروج على نيّة الرجوع بعد مسير ليلة أو ليلتين ظانّاً أن إرجاف نُعيم يفيد، فيكون المخلف هم المسلمون، فسار حتى أتى مجنَّة ــــ وهي سوق معروفة من ناحية مَرّ الظهران ــــ فقال لقومه: إن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام عشب فارجعوا، أما المسلمون فأقاموا ببدر لا يشاركهم في تجارته أحد {فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَاتَّبَعُواْ رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ(174)
حوادث
وفي هذا العام ولد الحسينبن علي، وفيه توفيت زينب بنت خزيمة أُم المؤمنين، وفيه توفي أبو سَلَمة رضي الله عنه ابن عمة رسول الله، وأخوه من الرضاعة، وأولُ من هاجر إلى الحبشة، وفيه تزوج عليه الصلاة والسلام أُمَّ سَلَمَةَ هنداً زوج أبي سلمة بعد وفاته.
السَّنة الخامِسَة
غزوة دومة الجندل
وفي ربيع الأول من هذا العام بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن جمعاً من الأعراب بدُومة الجندل يظلمون من مَرَّ بهم، وأنهم يريدون الدنو من المدينة فتجهز لغزوهم، وخرج في ألف من أصحابه، بعد أن وَلَّى على المدينة سِبَاعبن عُرْفُطة الغِفاري، ولم يزل يسير الليل ويكمُن النهار حتى قرب منهم، فلما بلغهم الخبر تفرقوا، فهجم المسلمون على ماشيتهم ورعائهم، فأُصيب مَنْ أُصيبَ، وهرب من هرب، ثم نزل بساحتهم فلم يلقَ أحداً، وبثّ السرايا فلم يجد منهم أحداً، فرجع عليه الصلاة والسلام غانماً، وصالح وهو عائد عيينةَبن حِصْنٍ الفَزاري، وهو الذي كان يسمّيه عليه الصلاة والسلام الأحمق المطاع، لأنه كان يتبعه ألف قَنَاة، وأقطعه عليه الصلاة والسلام أرضاً يرعى فيها بهمه على بعد ستة وثلاثين ميلاً من المدينة لأن أرضه كانت قد أجدبت.
غزوةبن المُصْطَلِق
في شعبان، بلغه عليه الصلاة والسلام أن الحارثبن أبي ضرار، سيدَ بني المصطلق الذين ساعدوا قريشاً على حرب المسلمين في أُحُد، يجمع الجموع لحربه، فخرج له عليه الصلاة والسلام في جمع كثير، وولَّى على المدينة زيدَبن حارثة، وخرج معه من نسائه عائشةُ وأُم سلمة. وخرج معه ناس من المنافقين لم يخرجوا قطُّ في غزوة مثلها، يرجون أن يصيبوا من عَرَضِ الدنيا، وفي أثناء مسيره عليه الصلاة والسلام التقى بعَيْنِ بني المصطلق، فسأله عن أحوال العدو فلم يجبْ فأمر بقتله. ولما بلغ الحارث رئيس الجيش مجيء المسلمين لحربه، وأنهم قتلوا جاسوسه، خاف هو وجيشه خوفاً شدياً حتى تفرق عنه بعضهم، ولما وصل المسلمون إلى الْمُرَيْسِيع تَصَافَّ الفريقان للقتال، بعد أن عرض عليهم الإسلام فلم يقبلوا، فتراموا بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد، فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالاً للهرب، بل قتلوا عشرة منهم وأسروا باقيهم مع النساء والذرية، واستاقوا الإبل والشياه، وكانت الإبل ألفي بعير، والشياه خمسة آلاف، واستعمل الرسول على ضبطها مولاه شُقران، وعلى الأسرى بُرَيدة. وكان في نساء المشركين بَرَّة بنت الحارث سيد القوم، وقد أخذ من قومها مئتا بيتٍ أسرى وُزِّعَتْ على المسلمين، وهنا يظهر حُسْن السياسة ومنتهى الكرم، فإن بني المصطلق من أعزِّ العرب داراً فأسْرُ نسائهم بهذه الحال صعب جداً، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يجعل المسلمين يَمُنُّونَ على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم، فتزوج برّة بنت الحارث التي سمّاها جُوَيْرِيَةَ، فقال المسلمون: أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم في أيدينا فمنّوا عليهم بالعتق، فكانت جويريةُ أيمنَ امرأةٍ على قومها كما قالت عائشة رضي الله عنها، وتسبَّب عن هذا الكرم العظيم وهذه المعاملة الجليلة أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم، وكانوا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم.
وقد حصل في هذه الغزوة نادرتان، لولا أنْ صاحَبَتْهُما حكمةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعادتا بالتفريق على المسلمين.
فأولاهما: أن أجيراً لعمربن الخطاب اختصم مع حليف للخزرج، فضرب الأجيرُ الحليف حتى سال دمه، فاستصرخ بقومه الخزرج، واستصرخ الأجير بالمهاجرين، فأقبل الذعر من الفريقين، وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟» وهي ما يقال في الاستغاثة: يا لَفُلان. فأخبر الخبر، فقال: «دَعُوا هذه الكلمة فإنها منتنة»، ثم كلم المضروبَ حتى أسقط حقه وبذلك سكنت الفتنة، فلما بلغ عبد اللهبن أُبَيَ هذا الخصام غضبَ، وكان عنده رهط من الخزرج، فقال: ما رأيت كاليوم مذّلة أو قد فعلوها؟ نافرونا في ديارنا، والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأوَّل: سمِّن كلبك يأكلك، أما والله: لَئِن } (المنافقون: 8)، ثم التفت إلى مَنْ معه، وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم ثم لم يرضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضاً للمنايا دون محمد فأيتمتم أولادكم، وَقَلَلْتُم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى يَنْفَضُّوا من عنده، وكان في مجلسه شاب حديثُ السن، قوي الإسلام، اسمه زيدبن أرقم، فأخبر رسول الله الخبر فتغير وجهه، وقال: «يا غلام لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت؟» فقال: والله يا رسول الله لقد سمعته. قال: «لعلّه أخطأ سمعك»، فاستأذن عمر الرسول في قتل ابن أُبَيّ أو أن يأمر أحداً غيره بقتله فنهاه عن ذلك. وقال: «كيف يا عمر إذا تحدث الناسُ أن محمداً يقتل أصحابه؟» ثم أذن بالرحيل في وقت لم يكن يرتحل فيه حين اشتد الحر يقصد بذلك عليه الصلاة والسلام شَغْلَ الناس عن التكلم في هذا الموضوع، فجاءه أسيدبن حُضير وسأله عن سبب الارتحال في هذا الوقت، فقال: «أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجعَ إلى
المدينة ليخرجنَّ الأعزّ منها الأذل». قال: أنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئتَ، هو والله الذليلُ وأنت العزيزُ، ثم سارَ عليه الصلاة والسلام بالناس سيراً حثيثاً حتى آذتهم الشمس، فنزل بالناس فلم يلبثوا أن وجودا مَسَّ الأرض حتى وقعوا نياماً.
وكلّم رجالٌ من الأنصار عبدَ اللهبن أُبيّ في أن يطلب من الرسول الاستغفار فلوى رأسه واستكبر. وهنا نزل على الرسول سورةُ المنافقين التي فضحت عبد اللهبن أُبيّ وإخوانه وصدَّقت زيدبن أرقم. ولما بلغَ ذلك عبد اللهبن عبد اللهبن أُبيّ، استأذن رسول الله في قتل أبيه حذراً من أن يُكَلِّف بذلك غيره، فيكون عنده من ذلك أضغان وأحقاد، فأمره عليه الصلاة والسلام بالإحسان إلى أبيه.