101 | القرآن وعلومه :
المعارج
القلم
تبارك
102 | أحاديث مختارة :
اللهم إنك تعلم أني استلفت
من حسن اسلام المرء تركه
من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل
خلاصة نور اليقين (ج2) | الدورة الثالثة
غزوة الفتح الأعظم
إذا أراد الله أمراً هيّأ أسبابه وأزال موانعه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يعلم أنه لا تذلّ العرب حتى تذل قريش، ولا تَنقاد البلاد حتى تنقاد مكة، فكان يتشوف لفتحها، ولكن كان يمنعه من ذلك العهود التي أعطاها قريشاً في الحديبية وهو سيد من وَفَّى. ولكن إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، فقد علمتَ أن قبيلة خُزاعة دخلت في عهد رسول الله، وقبيلة بني بكر دخلت في عهد قريش، وكان بين خزاعة وبني بكر دماء في الجاهلية كمنت نارها بظهور الإسلام، فلما حصلت الهدنة وقف رجل من بني بكر يتغنى بهجاء الرسول صلى الله عليه وسلم على مسمع من رجل خزاعي، فقام هذا وضربه، فحرّك ذلك كامن الأحقاد، وتذكر بنو بكر ثأرهم فشدّوا العزيمة لحرب خصومهم، واستعانوا بأوليائهم من قريش، فأعانوهم سرّاً بالعدّة والرجال، ثم توجهوا إلى خزاعة وهم آمنون فقتلوا منهم ما يربو على العشرين، ولما رأى ذلك حلفاء السيد الأمين أرسلوا منهم وفداً برياسة عمروبن سالم الخزاعي ليخبر رسول الله بما فعل بهم بنو بكر وقريش، فلما حَلُّوا بين يديه، وأخبروه، قال: «والله لأمنعنكم مما أمنع نفسي منه».
أما قريش فإنهم لما رأوا أن ما عملوه نقض للعهود التي أخذت عليهم ندموا على ما فعلوا، وأرادوا مداواة هذا الجرح، فأرسلوا قائدهم أبا سفيانبن حرب إلى المدينة ليشدّ العقد، ويزيد في المدة، فركب راحلته، وهو يظن أنه لم يسبقه أحد، حتى إذا جاء المدينة نزل على أم المؤمنين أم حبيبة بنته وقد أراد أن يجلس على فراش رسول الله فطوته عنه فقال: يا بنيّة أرغبتِ به عني أم رغبت بي عنه؟ فقالت: ما كان لك أن تجلس على فراش رسول الله وأنت مشرك نجس، فقال: لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج من عندها، وأتى النبي في المسجد، وعرض عليه ما جاء له، فقال له عليه الصلاة والسلام: «هل كان من حَدَث؟» قال: لا، فقال عليه الصلاة والسلام: «فنحن على مدتنا وصلحنا». ولم يزد عن ذلك. فقام أبو سفيان، ومشى إلى أكابر المهاجرين من قريش لعلّهم يساعدونه على مقصده، فلم يجد منهم مُعيناً، وكلهم قالوا: جِوارنا في جِوار رسول الله، فرجع إلى قومه ولم يصنع شيئاً، فاتهموه بأنه خانهم واتَّبع الإسلام، فتنسّك عند الأوثان لينفي عن نفسه هذه التهمة.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجهز للسفر، وأمر أصحابه بذلك، وأخبر الصدّيق بالوجهة، فقال له: يا رسول الله أوَ ليس بينك وبين قريش عهد؟ قال: «نعم، ولكن غدروا ونقضوا». ثم استنفر عليه الصلاة والسلام الأعراب الذين حول المدينة، وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة». فقدم جمع من قبائل أسلم وغِفار ومُزَينة وأشجع وجُهينة، وطوى عليه الصلاة والسلام الأخبار عن الجيش كيلا يشيع الأمر، فتعلم قريش فتستعد للحرب، والرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد أن يُقيم حرباً بمكة بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس بحُرمتها، فدعا مولاه جلّ ذكره وقال: «اللهمّ خُذِ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها» فقام حاطببن أبي بلتعة أحد الذين شهدوا بدراً، وكتب كتاباً لقريش يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسله مع جارية لتوصله إلى قريش على جُعْلٍ، فأعلم الله رسوله ذلك، فأرسل في أثرها عليّاً والزبير والمقداد وقال: «انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَةَ خاخ، فإن بها ظَعِينة معها كتاب فخذوه منها». فانطلَقوا حتى أتوا الروضة، فوجدوا بها المرأة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب فقالوا: لتخرِجنّ الكتاب أو لنُلقينّ الثياب، فأخرجته من عِقَاصِها، فأتوا به رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا حاطب ما هذا؟» قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت حليفاً لقريش ولم أكن من أَنْفُسِها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما إنه قد صدقكم». فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطَّلع على من شهد بدراً، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، وفي ذلك أنزل
الله في سورة الممتحنة: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءكُمْ مّنَ الْحَقّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَابْتِغَآء مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآء السَّبِيلِ(1)
ثم سار عليه الصلاة والسلام بهذا الجيش العظيم في منتصف رمضان بعد أن ولّى على المدينة ابنَ أُم مكتوم، وكانت عدّة الجيش عشرة آلاف مجاهد، ولما وصل الأبواء لقيه اثنان كانا من أشدّ أعدائه وهما: ابن عمه أبو سفيانبن الحارثبن عبد المطلب شقيق عبيدةبن الحارث شهيد بدر، وصهره عبد اللهبن أبي أميةبن المغيرة شقيق زوجه أُم سلمة، وكانا يريدان الإسلام، فقبلهما عليه الصلاة والسلام، وفرح بهما شديد الفرح، وقال: لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ} (يوسف: 92). ولما وصل عليه الصلاة والسلام الكَدِيد رأى أن الصوم شق على المسلمين، فأمرهم بالفطر، وأفطر هو أيضاً، وقد قابل عليه الصلاة والسلام في الطريق عمه العباسبن عبد المطلب مهاجراً بأهله وعياله، فأمره أن يعود معه إلى مكة ويرسل عياله إلى المدينة.
ولما وصل عليه الصلاة والسلام مرّ الظهران أمر بإيقاد عشرة آلاف نار، وكانت قريش قد بلغهم أن محمداً زاحف بجيش عظيم لا تدرى وجهته، فأرسلوا أبا سفيانبن حرب وحكيمبن حزام وبُدَيلبن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مَرَّ الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عَرَفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عَرَفة فقال بديلبن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله، فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: «احبس أبا سفيان عند خَطْم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين»، فحبسه العباس فجعلت القبائل تمرّ كتيبةً كتيبة على أبي سفيان وهو يسأل عنها ويقول: ما لي ولها، حتى إذا مرّت به قبيلة الأنصار وحامِل رايتها سعدبن عبادة فقال سعد: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليومَ تُستَحلُّ الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يومُ الذِّمار. ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيها رسول الله وأصحابه، وحامل الراية الزبيربن العوام، فأخبر أبو سفيان رسول الله بمقالة سعد. فقال عليه الصلاة والسلام: «كذبَ سعد، ولكن هذا يوم يُعظِّم الله فيه الكعبة ويوم تُكسى فيه الكعبة». ثم أمر عليه الصلاة والسلام أن تركز رايته بالحَجُون، وأمر خالدبن الوليد أن يدخل من أسفل مكة من كُدًى، ودخل هو من أعلاها من كَدَاء ونادى مناديه: «مَن دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن». وهذه أعظم منّة له، واستثنى من ذلك جماعة عظمت ذنوبهم، وآذوا الإسلام وأهله عظيم الأذى، فأهدر دمهم ــــ وإن تعلقوا بأستار الكعبة ــــ منهم: عبد اللهبن سعدبن أبي سَرْح الذي أسلم، وكتب لرسول الله الوحي، ثم ارتدّ، وافترى الكذب على الأمين المأمون، فكان يقول: إن محمداً كان يأمرني أن أكتب عليم حكيم فأكتب غفور رحيم، فيقول كل جيد ومنهم عِكرمةبن
أبي جهل وصفوانبن أمية، وهبَّاربن الأسود، والحارثبن هشام، وزهيربن أبي أمية، وكعببن زهير، ووحشي قاتل حمزة، وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان، وقليل غيرهم، ونهى عن قتل أحد سوى هؤلاء إلا من قاتل، فأما جيش خالدبن الوليد فقابله الذُّعرُ من قريش يريدون صدّه، فقاتلهم وقتل منهم أربعة وعشرين، وقُتل من جيشه اثنان، ودخلها عَنْوة من هذه الجهة، وأما جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصادف مانعاً وهو عليه الصلاة والسلام راكب راحلته منحنٍ على الرحل تواضعاً لله وشكراً له على هذه النعمة حتى تكاد جبهته تَمَسُّ الرَّحْل، وأسامةبن زيد رديفه، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان حتى وصل الحَجُون موضع رايته، وقد نصبتْ له هناك قبة فيها أُمّ سلمة وميمونة، فاستراح قليلاً ثم سار وبجانبه أبو بكر يحادثه، وهو يقرأ سورة الفتح، حتى بلغ البيت، وطاف سبعاً على راحلته، واستلم الحجر بمحجنه، وكان حول الكعبة إذا ذاك ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل عليه الصلاة والسلام يطعنها بعود في يده، ويقول: «جاء الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ وما يُبْدِىءُ الباطِلُ وما يُعيدُ» ثم أمر بالآلهة فأخرجت من البيت وفيها صورة إسماعيل وإبراهيم في أيديهما الأزلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بها قطّ». وهذا أول يوم طهّرت فيه الكعبة من هذه المعبودات الباطلة. وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب باديها وحاضرها من هذه الأدناس سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلا قليلاً. ويوشك أن نذكر للقارىء اختفاء آثارها ومحو عبادتها بالكلية.
العفو عند المقدرة
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وكبَّر في نواحيها، ثم خرج إلى مقام إبراهيم، وصلّى فيه ركعتين، ثم شرب من زمزم، وجلس في المسجد، والناس حوله، والعيون شاخصة إليه، ينتظرون ما هو فاعل بمشركي قريش الذين آذوه، وأخرجوه من بلاده وقاتلوه، ولكن هنا تظهر مكارم الأخلاق التي يلزم أن يتعلم منها المسلم، أن يكون رضاه وغضبه لله لا لهوى النفس، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال عليه الصلاة والسلام: «اذهبوا فأنتم الطُّلقاء». ويرحم الله الإمام البوصيري حيث قال:
وإذا كان القَطْعُ والوصلُ للهتساوى التَّقريبُ والإقصاءولو أنَّ انتقامه لهوى النفسِ لدامتْ قطيعةٌ وجفاءُقام لله في الأمور فأرضى اللهمنه تباينٌ ووفاءُفعُله كله جميل وهل ينضحُ إلا بما حواهُ الإناءُ؟ ثم خطب عليه الصلاة والسلام خطبةً أبان فيها كثيراً من الأحكام الإسلامية، منها: ألاّ يُقتَل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل ملَّتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، والبينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر، ولا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد الصبح والعصر، ولا يصام يوم الأضحى ويوم الفطر، ثم قال: «يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نَخْوة الجاهلية وتَعَظُّمَهَا بالآباء، والناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: {يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)
أما الذين أهدر رسول الله دمهم فقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فمنهم من حقّت عليه كلمة العذاب فقتل، ومنهم من أدركته عناية الله فأسلم، فعبد اللهبن سعدبن أبي سرح لجأ إلى أخيه من الرضاع عثمانبن عفان، وطلب منه أن يستأمن له رسول الله، فغيبه عثمان حتى هدأ الناس، ثم أتى به وقال: يا رسول الله قد أمنته فبايعه، فأعرض عنه عليه الصلاة والسلام مراراً ثم بايعه، فلما خرج عثمان وعبد الله قال عليه الصلاة والسلام: «أعرضتُ عنه ليقومَ إليه أحدكم فيضرب عنقه»، فقالوا: هلاّ أشرتَ إلينا؟ فقال: «لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين».
وأما عكرمةبن أبي جهل فهربَ، فخرجتْ وراءه زوجته وبنتُ عمه أُمّ حكيم بنت الحارثبن هشام، وكانت قد أسلمت يوم الفتح، وقد أخذت له أماناً من رسول الله فلحقته، وقد أراد أن يركب البحر، فقالت: جئتك من عند أبرّ الناس، وخيرهم، لا تهلك نفسك، وإني قد استأمنته لك فرجع، ولما رآه عليه الصلاة والسلام وثب قائماً فرحاً به، وقال: «مرحباً بمن جاءنا مهاجراً مسلماً» ثم أسلم رضي الله عنه، وطلب من رسول الله أن يستغفر له كل عداوة عاداه إيّاها فاستغفر له، وكان رضي الله عنه بعد ذلك من خيرة المسلمين وأغيرهم على الإسلام.
وأما هبَّاربن الأسود فهرب، واختفى، حتى إذا كان رسول الله بالجِعِرَّانة جاءه مسلماً، وقال: يا رسول الله هربتُ منك وأردتُ اللحاق بالأعاجم ثم ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمّن جهل عليك، وكنا يا رسول الله أهل شرك فهدانا الله بك، وأنقذنا من الهلكة فاصفح الصفح الجميل، فقال عليه الصلاة والسلام: «قد عفوتُ عنك».
وأما الحارثبن هشام، وزهيربن أبي أمية المخزومي، فأجارتهما أم هانىء بنت أبي طالب، فأجاز عليه الصلاة والسلام جِوارها، ولما قابل رسولُ الله الحارثَبن هشام مسلماً قال له: «الحمد لله الذي هداك ما كان مثلك يجهل الإسلام» وقد كان بعد ذلك من فُضَلاء الصحابة.
وأما صفوانبن أمية فاختفى وأراد أن يذهب ويلقي نفسه في البحر، فجاء ابن عمه عُميربن وهب الجُمحي وقال: با نبي الله إن صفوانَ سيد قومه، هرب ليقذف نفسه في البحر فَأَمِّنْهُ فإنك قد أمّنت الأحمر والأسود، فقال عليه الصلاة والسلام: «أدرك ابن عمك فهو آمن» فقال: أعطني علامة، فأعطاه عِمامته، فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان، قال له: فداك أبي وأمي، جئتك من عند أفضل الناس، وأبرّ الناس، وأَحلم الناس، وخير الناس، وهو ابن عمك، وعزُّه عزُّك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال صفوان: إني أخاف على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، وأراه العمامة علامة الأمان، فرجع إلى رسول الله، وقال له: إن هذا يزعم أنك أمَّنتني؟ قال: «صدق» قال: أمهلني بالخيار فيه شهرين، قال: «أنت بالخيار فيه أربعة أشهر» ثم أسلم رضي الله عنه وحسن إسلامه.
وأما هند بنت عتبة فاختفت ثم أَسلمت، وجاءت إلى رسول الله فرحبَ بها وقالت له: والله يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحبّ إليّ أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أَصبح اليوم أهل خباء أحبّ إليّ أن يعزوا من أهل خبائك.
وفود كعب بن زهير
وأما كعبُبن زهير فلما ضاقت به الأرض، ولم يجد له مجيراً، جاء المدينة بعد أن قدمها رسولُ الله من مكة فأسلم وأنشد قصيدته التي يقول فيها:
وقالَ كلُّ صديقٍ كنتُ آملُهُلا أُلْهَيَنَّكَ إني عنكَ مشغولُفقلتُ: خَلُّوا سبيلي لا أبا لكمُفكلُّ ما قَدَّر الرحمانُ مفعولُكلُّ ابن أنثى وإن طالتْ سلامتُهُيوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُنُبِّئتُ أَن رسولَ اللهِ أوعدنيوالعفو عند رسولِ الله مأمولُمهلاً هداكَ الذي أعطاك نافلةَ القرآن فيها مواعيظٌ وتفصيلُ وقال فيها مادحاً:
إنَّ الرسولَ لسيفٌ يُستضاءُ بهمُهنَّدٌ من سيوفِ اللهِ مسلولُ ولما قال هذا البيت خلع عليه الرسول بردته.
وأما وحشي قاتل حمزة فكذلك أسلم، وحسن إسلامه، وقبله عليه الصلاة والسلام، وقد جاءه ابنا أبي لهب عتبة ومعتب فأسلما وفرح بهما عليه الصلاة والسلام.
وكان من الذين اختفوا سهيلبن عمرو، فاستأمن له ابنه عبد الله فأمنه عليه الصلاة والسلام، وقال: «إن سهيلاً له عقل وشرف، وما مثل سهيل يجهلُ الإسلام». فلما بلغت هذه المقالة سُهيلاً قال: كان والله بَرّاً صغيراً، برّاً كبيراً، ثم أسلم بعد ذلك.
بيعة النساء
هذا، ولما تمت بيعة الرجال بايعه النساء، وكنّ يبايعن على ألاّ يشركن بالله شيئاً، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين بيهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجهلنّ، ولا يعصين الرسول في معروف.
ثم أمر عليه الصلاة والسلام بلالاً أن يؤَذِّنَ على ظهر الكعبة، وهذا بدء ظهور الإسلام على ظهر البيت الكريم، فلا عجب أن اتخذ المسلمون هذا اليوم عيداً يحمدون فيه الله حَقَّ حمده على هذه النعمة الكبرى والنصر العظيم.
وأقام عليه الصلاة والسلام بمكة بعد فتحها تسعة عشر يوماً يقصر فيها الصلاة، وولى عليها عَتَّاب بنَ أَسيد، وجعل رزقه كل يوم درهماً، فكان عَتَّابٌ رضي الله عنه يقول: لا أشبعَ الله بطناً جاع على درهم كُلَّ يوم.
هدم العُزَّى
وفي الخامس من مُقامه عليه الصلاة والسلام بمكة أرسل خالدبن الوليد في ثلاثين فارساً لهدم هيكل العُزّى ــــ وهي أكبر صنم لقريش، وكان هيكلها ببطن نَخْلة ــــ فتوجه إليها خالد وهدمها.
هدم سُوَاع
وأرسل عليه الصلاة والسلام عمروبن العاص لهدم سواع ــــ وهو أعظم صنم لهذيل ــــ وهيكله على ثلاثة أميال من مكة، فذهب إليه وهدمه.
هدم مناة
وبعث سعدَبن زيد الأشهلي في عشرين فارساً لهدم مناة، وهي صنم لكلب وخزاعة. وهيكلها بالمُشَلَّلِ، وهو جبل على ساحل البحر يهبط منه إلى قُدَيْد. فتوجهوا إليها وهدموها.
غزوة حُنين
بهذا الفتح العظيم وسقوط دولة الأوثان، دانت للإسلام جموعُ العرب ودخلوا فيه أفواجاً. أما قبيلتا هوازن وثقيف فأدركتهما حَمِيَّةُ الجاهلية، واجتمع الأشرافُ منهم للشورى، وقالوا: قد فرغَ محمد من قتال قومه ولا ناهية له عنّا، فَلْنَغْزُه قبل أن يغزونا. فأجمعوا أمرهم على ذلك، وولّوا رياستهم مالكَبن عوف النَّصْري، فاجتمع له من القبائل جموعٌ كثيرة، فيهم بنو سعدِبن بكر، الذي كان رسول الله مسترضعاً فيهم، وكان في القوم دُرَيْدبن الصِّمَّة المشهور بأصالة الرأي، وشدة البأس في الحرب، ولتقدم سنِّه لم يكن له في هذه الحرب إلا الرأي، ثم إن مالكبن عوف أمر الناس أن يأخذوا معهم نساءَهم وذراريهم وأموالهم، فلما علم ذلك دُريد سأل مالكاً عن السبب، فقال: سقتُ مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم لأجعل خلف كل رجل أهله وماله يقاتل عنهم، فقال دريد: وهل يردّ المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورُمحه، وإن كانت عليك فُضِحت في أهلك ومالك، فلم يقبلْ مالك مشورته، وجعل النساءَ صفوفاً وراء المقاتلة، ووراءهم الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، كيلا يفر أحد من المقاتلين.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما بلغه أن هوازن وثقيف يستعدون لحربه أجمع رأيه على المسير إليهم، وخرج معه اثنا عشر ألف غازٍ، منهم ألفان من أهل مكة، والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة، وخرج أهلُ مكة ركباناً ومشاة حتى النساء يمشين من غير ضعفٍ يرجون الغنائم، وخرج في الجيش ثمانون من المشركين، منهم صفوانُبن أمية، وسُهيلبن عمرو، ولما قرب الجيش من معسكر العدو صَفَّ عليه الصلاة والسلام الغزاةَ، وعقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لعليّبن أبي طالب، ولواء الخزرج للحُبَاببن المنذر، ولواء الأوس لأسيدبن حضير، وكذلك أعطى ألوية لقبائل العرب الأخرى. ثم ركب عليه الصلاة والسلام بغلته ولبس درعين والبيضة والمِغفر.
هذا، وقد أُعْجب المسلمون بكثرتهم فلم تُغْنِ عنهم شيئاً، فإن مقدمة المسلمين توجهت جهة العدو، فخرج لهم كمين كان مستتراً في شِعاب الوادي ومضايقه، وقابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر، فلووا أعنّة خيلهم متقهقرين، ولما وصلوا إلى من قبلهم تبعوهم في الهزيمة لما لحقهم من الدهشة، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتَ على بغلته في ميدان القتال، وثبت معه قليل من المهاجرين والأنصار، منهم: أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيانبن الحارث وأخوه ربيعةبن الحارث ومعتبُبن أبي لهب، وكان العباس آخذاً بلجام البغلة، وأبو سفيان آخذاً بالركاب، وكان عليه الصلاة والسلام ينادي: «إليَّ أيّها الناس» ولا يلوي عليه أحد، وضاقت بالمنهزمين الأرض بما رحبت. أما رجال مكة الذين هم حديثو عهد بالإسلام والذين لم ينزعوا عنهم رِبْقَةَ الشرك فمنهم من فرح، ومنهم من ساءه هذا الإدبار، فقال أبو سفيانبن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقال أخ لصفوانبن أمية: الآن بطل السحر. فقال له صفوان ــــ وهو على شركه ــــ: اسكت فَضَّ الله فاك، والله لأَنْ يَرُبَّني رجل من قريش خير من أن يَرُبَّني رجل من هوازن. ومرّ عليه رجل من قريش وهو يقول: أبشر بهزيمة محمدٍ وأصحابه فوالله لا يجبرونها أبداً، فغضب صفوانُ وقال: ويلك أتبشرني بظهور الأعراب؟ وقال عكرمةبن أبي جهل لذاك الرجل: كونهم لا يجبرونها أبداً ليس بيدك، الأمر بيد الله ليس إلى محمد منه شيء، إن أُديل عليه اليوم فإن العاقبة له غداً، فقال سهيلبن عمرو: والله إن عهدك بخلافه لحديث، فقال له: يا أبا يزيد إنّا كنا على غير شيء، وعقولنا ذاهبة، نعبد حجراً لا يضرّ ولا ينفع.H وبلغت هزيمة بعض الفارّين مكة، كل هذا ورسول واقف مكانه يقول:
أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْأَنَا ابنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ ثم قال للعباس: ــــ وكان جَهْوَرِيَّ الصوت ــــ «نادِ بالأنصار يا عباس» فنادى: يا معشر الأنصار يا أصحاب بيعة الرضوان فأسمعَ مَنْ في الوادي، وصار الأنصار يقولون: لبَّيك لبَّيك، ويريد كل واحد منهم أن يلوي عِنان بعيره فيمنعه من ذلك كثرة الأعراب المنهزمين. فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه، وينزل عن بعيره، ويخلي سبيله، ويؤمُّ الصوتَ حتى اجتمع حولَ رسول الله جمع عظيم منهم. وأنزل الله سكينته على رسوله، وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم يروها، فكرَّ المسلمون على عدوهم يداً واحدة فانتكث فتل المشركين. وتفرقوا في كل وجه لا يلوون على شيء من الأموال والنساء والذراري، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فأخذوا النساء والذراري وأسروا كثيراً من المحاربين، وهرب من هرب، وجُرح في هذا اليوم خالدبن الوليد جراحاتٍ بالغة، وأسلمَ ناس كثيرون من مشركي مكة لما رأوهُ من عناية الله بالمسلمين.
هذا، والذي حصل في هذه الغزوة درس مهم من دروس الحرب، فإن هذا الجيش دخله أخلاط كثيرون من مشركين وأعراب وحديثي عهد بالإسلام، هؤلاء سِيَّان عندهم نصرُ الإسلام وخذلانه، ولذلك بادروا لأول صدمة إلى الهزيمة، وكادت تتم الكلمة على المسلمين لولا فضل الله، فلا ينبغي أن يكون في الجيش إلا من يقاتل خالصاً مخلصاً من قلبه ليكون مدافعاً حقاً عن دينه، فلا تميل نفسه إلى الفرار خشية مما أعدّه الله للفارّين من أليم العقاب.
ثم أمر عليه الصلاة والسلام بجمع السبي والغنائم، وكانت نحو أربعة وعشرين ألف بعير، وأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، فجمع ذلك كله بالجِعرَّانة. أما المشركون فتفرقوا ثلاث فرق: فرقة لحقت بالطائف، وفرقة لحقت بنخلة، وفرقة عسكرت بأوطاس.
سرية
فأرسل عليه الصلاة والسلام لهذه الفرقة أبا عامر الأشعري في جماعة منهم أبو موسى الأشعري، فسار إليهم وبدَّدهم وظفر بما بقي معهم من الغنائم. وقد استشهد أبو عامر في هذه الغزوة وخلَّف على الغزاة ابن أخيه أبا موسى، فرجع ظافراً منصوراً.
غزوة الطائف
وسار عليه الصلاة والسلام بمن معه إلى الطائف ليجهز على بقية حياة ثقيف ومن تجمع معهم من هوازن، وجعل على مقدمته خالدبن الوليد، ومرّ عليه الصلاة والسلام بحصن لمالكبن عوف النَّصري فأمر بهدمه. ومرَّ ببستان لرجل من ثقيف قد تمنع فيه، فأرسل إليه أن اخرج وإلا حَرَّقنا عليك بستانك، فامتنع الرجل فأمر عليه الصلاة والسلام بحرقه. ولما وصل المسلمون إلى الطائف وجدوا الأعداء قد تحصَّنوا به وأدخلوا معهم قوتَ سنتهم، فعسكر المسلمون قريب الحصن. فرماهم المشركون بالنَّبل رمياً شديداً حتى أُصيب منهم كثيرون بجراحات منهم عبد اللهبن أبي بكر، وقد طاوله جرحه حتى أماته في خلافة أبيه، ومنهم أبو سفيانبن حرب فُقئت عينه. وقد مات بالجراحات اثنا عشر رجلاً من المسلمين. ولما رأى رسول الله أن العدو متمكّن من رميهم ارتفع إلى محل مسجد الطائف الآن، وضربَ لأُمّ سلمة وزينب قبتين هناك، واستمر الحصارُ ثمانية عشر يوماً، كان فيها يُنادي خالدبن الوليد بالبِراز فلم يجبه أحد، وناداه عبد ياليل ــــ عظيم ثقيف ــــ لا ينزل إليك منّا أحد، ولكن نقيم في حصننا، فإن فيه من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يفنى هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعاً حتى نموت عن آخرنا، فأمر عليه الصلاة والسلام بأن يُنْصَب عليهم المنجنيق فَنُصِبَ. ودخل جمع من الأصحاب تحت دبابتين لينقبوا الحصن، فأرسلت عليهم ثقيف سِكَكَ الحديد مُحماة بالنار حتى أرجعوهم. فأمر عليه الصلاة والسلام أن تقطع أعنابهم ونخيلهم، فقطع المسلمون فيها قطعاً ذريعاً، فناداه أهل الحصن، أن دعها لله وللرحم، فقال: «أدعها لله
وللرحم» ثم أمر مَنْ ينادي بأن كلَّ من ترك الحصن ونزل فهو آمن، فخرج إليه بضعة عشر رجلاً. ولما رأى عليه الصلاة والسلام أن تمنُّع ثقيف شديد، وأن الفتح لم يؤذن فيه استشار نوفلبن معاوية الديلي في الذهاب أو المقام، فقال: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت أخذته، وإن تركته لم يضرّك. فأمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل، وطلب منه بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف، فقال: «اللهمّ اهدِ ثقيفاً وائت بهم مسلمين».
تقسيم السبي
ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى الجِعِرَّانة حيث ترك السبي فأحصاه، وخمَّسه، وأعطى منه شيئاً كثيراً لأُناس ضعف إسلامهم يتألَّفُهم بذلك. وأعطى أُناساً لم يسلموا ليُحَبِّبَ إليهم الإسلام، ومن الأولين: أبو سفيان أعطاه أربعين أُوقية من الذهب ومائة من الإبل، وكذلك ابناه معاوية ويزيد، فقال له: بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب. ومنهم حكيمبن حزام أعطاه كأبي سفيان فاستزاده فأعطاه، ثم استزاده فأعطاه مثلها، وقال: «يا حكيم إنّ هذا المال خَضِرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكُلُ ولا يشبَع، واليدُ العُليا خير من اليدِ السُّفلى» فأخذَ حكيم المائة الأولى وتركَ ما عداها، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أَرْزَأُ أحداً بعدك شيئاً حتى أُفارق الدنيا، فكان الخلفاء بعد رسول الله يعرضون عليه العطاء الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه. وأعطى عليه الصلاة والسلام عُيَيْنَةَبن حصن مائة من الإبل، وكذلك الأقرعَبن حابس، والعباسبن مِرداس، وأعطى صفوانَبن أمية شِعْباً مملوءاً نَعَماً وشاءً كان رآه يرمقه، فقال له: «هل يعجبك هذا؟» قال: نعم، قال: «هُوَ لك» فقال صفوان: ما طابت بمثل هذا نفسُ أحد، وكان سبب إسلامه. وكان عليه الصلاة والسلام يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب وجمعها على الدين القويم، وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى جَعل من الصدقات قسماً للمؤلفة قلوبهم، وقد عاد ذلك بفائدة عظمى، فإن كثيرين ممّن أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا أُشربوا في قلوبهم حُبَّ الإسلام صاروا بعدُ من أجلاّء المسلمين، وأعظمهم نفعاً، كصفوانبن أمية، ومعاويةبن أبي سفيان، والحارثبن هشام وغيرهم.
ثم أمر عليه الصلاة والسلام زيدبن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم وقسّمه على الغزاة بعد أن اجتمع إليه الأعراب، وصاروا يقولون له: اقسم علينا، حتى ألجؤوه إلى شجرة، فتعلق رداؤه، فقال: «ردّوا ردائي أيها الناس، فوالله إن كان لي شجر تهامة نَعَماً لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذوباً» ثم قام إلى بعيره، وأخذ وَبرةً من سَنَامِه، وقال: «أيّها الناس والله ما لي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلا الخُمُس، والخُمُسُ مردود عليكم، فأدّوا الخِياطَ والمِخْيَطَ، فإن الغُلول يكون على أهله عاراً وشناراً وناراً يوم القيامة» فصار كل من أخذ شيئاً من الغنائم خِلسة يردُّه ولو كان زهيداً، ثم شرَع يقسم فأصابَ الرجلَ أربعة من الإبل وأربعون شاة، والفارس ثلاثةُ أمثال ذلك، فقال رجل من المنافقين: هذه قسمة ما أُريد بها وجهُ الله، فغضب عليه الصلاة والسلام حتى احمرّ وجهه، وقال: «ويحك مَنْ يعدلُ إذا لم أعدل؟» فلم يؤدّه غضبه أن ينتقم لنفسه، حاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك، بل لم يزدْ على أن نصحَ وحذَّر، وقال له عمر وخالدبن الوليد: دعنا يا رسول الله نضربْ عنقه، فقال: «لا لعلّه أن يكون يُصلي» فقال خالد: وكم من مصُلَ يقولُ بلسانه ما ليس في قلبه فقال صلى الله عليه وسلم: «إني لم أُومر أن أُنَقِّبَ عن قلوب الناس، ولا أَشُقَّ عن بطونهم».
ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب، وتركَ الأنصار غضب بعضُهم حتى قالوا: إن هذا لهو العجبُ يُعطي قريشاً، ويتركنا وسيوفنا تقطرُ من دمائهم فبلغه ذلك، فأمر بجمعهم وليس معهم غيرهُم. فلما اجتمعوا قال: «يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم أجدكم ضُلاّلاً فهداكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألّفَ الله بين قلوبكم بي؟ إن قريشاً حديثو عهد بكفر ومصيبة، وإني أردتُ أن أخْبُرهم وأتأَلَّفَهم، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا ألَّفْتُ به قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يُزَلْزَل؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهبَ الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناسُ شِعْباً وسلك الأنصار شِعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهمّ ارحم الأنصارَ، وأبناءَ الأنصار». فبكى القوم حتى اخْضَلَّتْ لحاهم، وقالوا: رضينا برسولِ الله قسماً وحظاً، ثم انصرفَ عليه الصلاة والسلام وتفرقوا.
وفود هوازن
وبعد بضع عشرة ليلة جاءه صلى الله عليه وسلم وفد هوازن يرأسهم زهيربن صرد وقالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمّات والخالات، وهنّ مَخازي الأقوام، ونرغب إلى الله وإليك يا رسول الله وقال زهير: إن في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كنّ يكفلنك، ثم قال أبياتاً يستعطفه بها:
امننْ علينا رسولَ الله في كرمفإنك المرءُ نرجوه وننتظرُامننْ على نسوةٍ كنت تَرْضَعُهاإذ فوك مملوءة من مَخْضِها الدِّرَرُإنا لنشكر للنعماء إن كفرتوعندنا بعد هذا اليوم مُدَّخرإنّا نؤمِّل عفواً منك نلبسههدى البرية أن تعفو وتنتصرفألبس العفو من قد كنت تَرْضَعُهُمن أُمهاتك إن العفوَ مشتهر فقال صلى الله عليه وسلم: «إن أحبّ الحديث إليَّ أَصْدَقُهُ، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال. وقد كنت انتظرتكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون». فقالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئاً، اردُدْ علينا نساءنا وأبناءنا فهو أحبّ إلينا ولا نتكلم في شارة ولا بعير، فقال صلى الله عليه وسلم: «أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا أنا صلّيت الظهر فقوموا، وقولوا: نحن نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله بعد أن تظهروا إسلامكم، وتقولوا: نحن إخوانكم في الدين» ففعلوا. فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإني قد رأيتُ أن أردّ عليهم سبيهم، فمن أحبّ أن يُطِّيبَ بذلك فليفعل، ومن أحبّ منكم أن يكون على حَظِّه حتى نعطيَه إياه من أول ما يُفِيءُ الله علينا فليفعل»، فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله. وامتنعَ من ذلك جماعة من الأعراب، كالأقرعبن حابس، وعيينةبن حصن، والعباسبن مِرداس، فأخذه الرسولُ منهم قرضاً، وأمر صلى الله عليه وسلم بأن تُحْبَس عائلةُ مالكبن عوف النصري رئيس تلك الحرب بمكة عند عمتهم أُمّ عبد اللهبن أمية. فقال له الوفد: أولئك ساداتنا، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما أُريد بهم الخير» ثم سأل عن مالك فقالوا: هرب مع ثقيف، فقال: «أخبروه أنه إن جاءني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل» فلما بلغ ذلك مالكاً نزل من الحصن خُفْية حتى أتى رسول الله بالجِعِرَّانة، فأسلم وأحرز ماله، واستعمله عليه الصلاة والسلام على مَنْ أسلم من
هوازن.
عمرة الجعِرَّانة
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر فأحرم من الجعرانة، ودخل مكة بليل، فطاف، واستلم الحجر، ثم رجع من ليلته، وكانت إقامته بالجعرانة ثلاثَ عشرة ليلة، ثم أمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل، فسار الجيش آمناً مطمئناً حتى دخل المدينة لثلاثٍ بقين من ذي القعدة.
وغزوة حنين هي التي فرّق الله بها جموعَ الشرك، وأدالَ دولته، وأفقد سَراةَ أهله، فإن هوازن لم تترك وراءها رجلاً تمكِّنه الحرب إلا ساقته، ولم تترك لها بعيراً ولا شاة إلا جاءت به معها، فأراد الله إعزاز الإسلام بخذلان أعدائه وأخذ أموالهم، فانكسرت حِدّة المشركين، ولم يبق فيهم مَنْ يمانع أو يدافع، ولذلك يمكننا أن نقول: إن انكسار هوازن كان خاتمة لحروب العرب، فلم يبقَ فيهم إلا فئات قليلة يسوقهم الطيش إلى شهر السلاح، ثم لا يلبثون أن يغمدوا السيوف حينما تظهر لهم قوة الحق الساطعة.
سرية
ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة أرسل قيسبن سعد في أربعمائة ليدعو صُداء ــــ قبيلة تسكن اليمن ــــ إلى الإسلام، فجاء إلى رسول الله رجل منهم، فقال: يا رسول الله إني جئتك وافداً عمّن ورائي، فاردد الجيشَ وأنا لك بقومي، فأمر عليه الصلاة والسلام بردّ الجيش.
وفود صُدَاء
وخرج الرجل إلى قومه فقدم بخمسة عشر رجلاً منهم، فنزلوا ضيوفاً على سعدبن عبادة، ثم بايعوا رسول الله على الإسلام، وقالوا: نحن لك على من وراءنا من قومنا، ولما رجعوا فشا فيهم الإسلام، وقدم على رسول الله منهم مائة في حجة الوداع.
سرية
ثم أرسل عليه الصلاة والسلام بشربن سفيان العدوي إلى بني كعب من خزاعة لأخذ صدقات أموالهم، فمنعهم بنو تميم المجاورون لهم من أداء ما فُرِضَ عليهم، فلما علم بذلك رسول الله أرسل إليهم عيينةبن حصن في خمسين فارساً من الأعراب، فجاءهم وحاربهم، وأخذ منهم أحد عشر رجلاً، وإحدى وعشرين امرأة، وثلاثين صبياً، وتوجه بالكل إلى المدينة، فأمر عليه الصلاة والسلام بجعلهم في دار رَمْلَة بنت الحارث.
وفود تميم
فجاء في أثرهم وفد تميم، وفيه عُطاردبن حاجب، والزّبرقانبن بدر، وعمروبن الأهتم، فجلسوا ينتظرون الرسول، فلما أبطأ عليهم نادَوا من وراء الحجرات بصوت جَافٍ: يا محمد اخرج إلينا نفاخرك، فإن مدحنا زَيْن، وإن ذمَّنا شَيْن، فخرج إليهم عليه الصلاة والسلام، وقد تأذى من صياحهم، وفيهم نزل في أوائل سورة الحجرات: إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآء الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ(4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(5)
سرية
ثم بعث عليه الصلاة والسلام الوليدبن عقبةبن أبي مُعَيط لأخذ صدقات بني المصطلق، فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلاً متقلدين سلاحهم احتفالاً بقدومه ومعهم إبل الصدقة، فلما نظرهم ظنهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية، فرجع مسرعاً إلى المدينة، وأخبر الرسول أن القوم ارتدّوا ومنعوا الزكاة، فأرسل لهم خالدبن الوليد لاستكشاف الخبر، فسار إليهم في عسكره خفية حتى إذا كان بناديهم سمع مؤذّنهم يؤذّن بالصبح، فأتاهم خالد فلم يرَ منهم إلا طاعة، فرجع وأخبر الرسول، فأرسل عليه الصلاة والسلام لهم غير الوليد لأخذ الصدقات، وفي الوليد نزل في أوائل الحجرات: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَآءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)
سرية
ثم بلغ رسول الله أن جمعاً من الحبشة رآهم أهل جُدَّةَ في مراكبهم يريدون الإغارة عليها، فأرسل لهم علقمةبن مُجَزِّز في ثلاثمائة، فذهب حتى وصل جُدَّةَ، ونزل في المراكب ليدركهم، وكان الأحباش متحصنين في جزيرة هناك، فلما رأوا المسلمين يريدونهم هربوا، ولم يلقَ المسلمون كيداً، فرجع علقمة بمن معه. ولما كان بالطريق أذن لِسَرعان القوم أن يتعجلوا، وأمر عليهم عبد اللهبن حُذافة السَّهْمي، وكان فيه دعابة، فأوقد لهم في الطريق ناراً، وقال لهم: ألستم مأمورين بطاعتي؟ قالوا: نعم، قال: عزمت عليكم إلا ما تواثبتم في هذه النار، فقال بعضهم: ما أسلمنا إلا فراراً من النار، وهمَّ بذلك بعضهم، فمنعهم عبد الله، وقال: كنت مازحاً. فلما ذكروا ذلك لرسول الله، قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
السَّنَة التّاسِعَة
سرية
في ربيع الأول أرسل عليه الصلاة والسلام عليبن أبي طالب في مائة راكب وخمسين فارساً لهدم الفُلُس ــــ صنمٍ لطيىء ــــ فسار إليه وهدمه وأحرقه، ولما حارب عُبَّاده هزمهم واستاق نَعَمهم وشاءهم وسبيهم، وكان فيه سَفَّانةُ بنت حاتم طيّىء. ولما رجع علي إلى المدينة طلبت سفَّانة من رسول الله أن يَمُنَّ عليها، فأجابها لأنه كان من سنته صلى الله عليه وسلم أن يكرم الكرام، فدعت له، وكان من دعائها: شكرتْكَ يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتكَ يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة كريم إلا وجعلك سبباً لردّها عليه. وكانت هذه المعاملة من رسول الله سبباً في إسلام أخيها عديبن حاتم الطائي الذي كان فرّ إلى الشام عندما رأى الرايات الإسلامية قاصدة بلاده، وكان من حديث مجيئه أن أخته توجهت إليه بالشام، وأخبرته بما عُوملت به من الكرم، فقال لها: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ فقالت: أرى أن تلحق به سريعاً، فإن يكن نبياً فللسابق إليه فضل، وإن يكن ملكاً فأنت أنت. قال: والله هذا هو الرأي.
وفود عديبن حاتم
فخرج حتى جاء المدينة، ولقي رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «من الرجل؟» قال: عديبن حاتم، فأخذه إلى بيته، وبينما هما يمشيان إذ لقيت رسول الله امرأة عجوز، فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تُكَلمه في حاجتها، فقال عدي: والله ما هو بملك. ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وِسادة من جلد محشوّة ليفاً فقدّمها إلى عدي، وقال: «اجلسْ على هذه». فقال: بل أنت تجلس عليها، فامتنع عليه الصلاة والسلام وأعطاها له، وجلس هو على الأرض، ثم قال: «يا عدي أسلم، تسلمْ» قالها ثلاثاً، فقال عدي: إني على دين، وكان نصرانياً. فقال له عليه الصلاة والسلام: «أنا أعلم بدينك منك» فقال عدي: أأنت أعلم بديني منّي؟ قال: «نعم». ثم عدّد له أشياء كان يفعلها اتباعاً لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء، كأخذه الرباع وهو ربع الغنائم. ثم قال: «يا عدي إنما يمنعك من الدخول في الدين ما ترى، تقول: إنما اتَّبعه ضَعَفةُ الناس ومن لا قدرة لهم، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فوالله ليُوشكَنَّ المالُ أن يفيض فيهم حتى لا يُوجد مَنْ يأخذه، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، أتعرف الحِيْرة؟» قال: لم أرها وقد سمعت بها، قال: «فوالله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنَّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت عليهم». فأسلم عدي رضي الله عنه وعاش حتى رأى كل ذلك.
غزوة تَبُوك
بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان ذلك في زمن عُسْرة الناس، وجدب البلاد، وشدة الحرّ حين طابت الثمار، والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، فأمر عليه الصلاة والسلام بالتجهز، وكان قلّما يخرج في غزوة إلا ورّى بغيرها، ليُعَمِّي الأخبار على العدو إلا في هذه الغزوة، فإنه أخبر بمقصده لبُعد الشّقةِ ولشدة العدوِّ، ليأخذ الناس عدّتهم لذلك، وبعث إلى مكة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك، وحثَّ الموسرين على تجهيز المعسرين، فأنفق عثمانبن عفان عَشَرةَ آلاف دينار، وأعطى ثلاثمائة بعير بعير بأحلاسها وأقتابها، وخمسين فرساً، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ ارضَ عن عثمان فإني راضٍ عنه». وجاء أبو بكر بكل ماله وهو أربعة آلاف درهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «هل أبقيت لأهلك شيئاً؟» فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمربن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمانبن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس وطلحة بمال كثير. وتصدّق عاصمبن عدي بسبعين وسْقاً من تمر، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حيلهن، وجاءه صلى الله عليه وسلم سبعةُ أنفس من فقراء الصحابة يطلبون إليه أن يحملهم. فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه». فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألاّ يجدوا ما يُنفقون. فجهز عثمان ثلاثة منهم، وجهز العباسُ اثنين، وجهز يامينبن عمرو اثنين.
ولما اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلاثون ألفاً، وولّى على المدينة محمدبن مسلمة، وعلى أهله عليبن أبي طالب، وتخلَّفَ كثير من المنافقين يرأسهم عبد اللهبن أُبَيّ، وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد أيحسبُ محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب؟ والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرّنين في الحبال. واجتمع جماعة منهم، فقالوا في حق رسول الله وأصحابه ما يريدون من الإرجاف، فبلغه ذلك، فأرسل إليهم عمّاربن ياسر يسألهم عمّا قالوا، فقالوا: إنما كنّا نخوض ونلعب.
وجاء إليه جماعة منهم الجدبن قيس يعتذرون عن الخروج، فقالوا: يا رسول الله ائذن لنا ولا تفتنّا لأنّا لا نأمن من نساء بني الأصفر، وجاء إليه المعذِّرون من الأعراب ــــ وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلّة ــــ ليؤذن لهم فأذن لهم، وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم، وقد عتب الله عليه في ذلك الإذن بقوله في سورة براءة: عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ(43) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(45) وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَاكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ(46) لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولاَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(47)
ولما استراح الجيش لحقه أبو خيثمة، وكان من خبر مجيئه أن دخل على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستان، قد رشت كلٌّ منهما عريشها، وبرَّدت فيها ماء، وهيأتْ طعاماً، وكان يوماً شديد الحر، فلما نظر ذلك قال: يكون رسول الله في الحر وأبو خيثمة في ظل بارد وماء مهيأ وامرأة حسناء ما هذا بالنَّصَف. ثم قال: والله لا أدخل عريشَ واحدة منكما حتى ألحق برسول الله فهيّئا لي زاداً ففعلتا، ثم ركب بعيره، وأخذ سيفه ورمحه، وخرج يريد رسول الله فصادفه حين نزل بتبوك.
وفود صاحب أَيْلة
هذا ولم يرَ صلى الله عليه وسلم بتبوك جيشاً كما كان قد سمع، فأقام هناك أياماً جاءه في أثنائها يُحَنَّة، صاحب أيلة، وصحبته أهلُ جَرْباء، وأهل أَذْرُح، وأهل مَقْنا، فصالح يُحَنَّة رسول الله على إعطاء الجزية، ولم يسلم. وكتب له الرسول كتاباً هذه صورته:
كتاب صاحب أيلة
«بسم الله الرحمان الرحيم، هذا أَمَنَةٌ من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنَّةبن رؤبة وأهل أيلة: سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه لَطيبةٌ لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحلّ أن يُمنعوا ماء يردونه، ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر».
كتاب أهل أَذْرُح وجَرْبَاء
وكتب لأهل أذرح وجرباء كتاباً صورته: «بسم الله الرحمان الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي لأهل أذرح وجرباء، إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل بالنصح والإحسان للمسلمين».
وصالَح أهل مَقْنا على ربع ثمارها.
ثم إن الرسول استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من ديار الشام، فقال له عمر: إن كنت أُمرت بالسير فسِرْ. فقال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت أُمرت بالسير لم أَسْتَشِرْ». فقال: يا رسول الله إن للروم جموعاً كثيرة، وليس بالشام أحد من أهل الإسلام، وقد دنونا، وقد أفزعهم دنوُّك، فلو رجعنا في هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمراً، فتبع عليه الصلاة والسلام مشورته، وأمر بالقفول فرجع الجيش إلى المدينة.
مسجد الضِّرار
ولما كان على مقربة منها، بلغه خبر مسجد الضِّرار وهو مسجد أسَّسه جماعةٌ من المنافقين معارضة لمسجد قُباء، ليفرقوا جماعة المسلمين. وجاء جماعة منهم إلى الرسول طالبين منه أن يصلِّي لهم فيه، فسألهم عن سبب بنائه، فحلفوا بالله إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون، فأمر عليه الصلاة والسلام جماعة من أصحابه لينطلقوا إليه، ويهدموه، ففعلوا. هذا، ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة جاءه جماعات من الذين تخلفوا يعتذرون كذباً، فقبل منهم عليه الصلاة والسلام علانيتهم، ووكل ضمائرهم إلى الله، واستغفر لهم.
حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا
وجاءه كعبُبن مالك الخزرجي، ومُرارةبن الرّبيع، وهلالبن أميَّة الأوسيّان مقرِّين بذنوبهم، فلما دخل عليه كعب تَبَسَّم تَبَسُّمَ الغَضب، وقال: «ما خلَّفك؟» فقال: يا رسول الله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُوتيتُ جدلاً، ولكني والله لقد علمتُ لئن حدَّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكَنَّ الله أن يسخط عليَّ فيه، ولئن حدثتك حديث صِدق تغضب عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذر. فقال عليه الصلاة والسلام: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك». وقال صاحباه مثل قوله، فقال لهما عليه الصلاة والسلام كما قال لكعب، ونهى المسلمين عن كلامهم، فاجتنبهم الناس، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، واستأذنت زوجُ هلالبن أمية في خدمة زوجها لأنه شيخ ضائع ليس له خادم فأذن لها، ولم يزالوا كذلك حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم، فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام من يبشرهم بهذه النعمة الكبرى، فتلقاهم الناس أفواجاً يهنئونهم بتوبة الله. فلما دخل كعب المسجد تلقاه رسول الله مسروراً، فقال: «أبشر يا كعب بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك»، فقال: من عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «بل من عند الله». فقال كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: «أمسكْ عليك بعض مالك فهو خير لك». ثم قرأ عليه الصلاة والسلام الآيات التي فيها توبته هو وصاحباه في سورة براءة: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الارْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(118)
وفود ثقيف
وعقب مقدمه عليه الصلاة والسلام من تبوك وفد عليه وفد ثقيف، وكان من خبرهم، أنه لما انصرف رسول الله من محاصرتهم، تبع أثره عروةبن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل المدينة، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه ويدعوهم إلى الإسلام، فقال له: «إنهم قاتلوك». فقال: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم، فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لمرتبته فيهم، لأنه كان فيهم محبباً مطاعاً، فلما جاء الطائف وأظهر لهم ما جاء به رموه بالنبل فقتلوه، وبعد شهر من مقتله ائتمروا فيما بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، فأجمعوا أمرهم على أن يرسلوا لرسول الله رجلاً منهم يكلِّمه، وطلبوا من عبد ياليلبن عمرو أن يكون ذلك الرجل فأبى، وقال: لست فاعلاً حتى ترسلوا معي رجالاً، فبعثوا معه خمسة من أشرافهم، فخرجوا متوجهين إلى المدينة، ولما قابلوا رسول الله ضرب لهم قبة في ناحية المسجد ليسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا. وكانوا يَغْدون إلى رسول الله كل يوم ويخلِّفون في رحالهم أصغرهم سنّاً عثمانبن أبي العاص. فكان إذا رجعوا ذهب للنبي واستقرأه القرآن، وإذا رآه نائماً استقرأ أبا بكر حتى حفظ شيئاً كثيراً من القرآن، وهو يكتم ذلك عن أصحابه، ثم أسلم القوم، وطلبوا أن يُعَيِّن لهم من يؤمُّهم، فأمَّرَ عليهم عثمانبن أبي العاص لما رآه من حرصه على الإسلام وقراءة القرآن وتعلم الدين.
كتاب أهل الطائف
ثم كتب لهم كتاباً من جملته: «بسم الله الرحمان الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين، إن عِضَاهَ وَجَ وَصَيْدَهُ حَرَامٌ، لا يُعْضَدُ شجره، ومن وُجد يفعل شيئاً من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه». ثم سألوا رسول الله أن يؤَجِّل هدم صنمهم شهراً حتى يدخل الإسلام في قلوب القوم، ولا يرتاع السفهاء من النساء من هدمه، فرضي بذلك عليه الصلاة والسلام، ولما خرجوا من عنده قال لهم رئيسهم: أنا أعلمكم بثقيف، اكتموا عنهم إسلامكم وخوِّفوهم الحرب والقتال، وأخبروهم أن محمداً طلب أموراً عظيمة أبيناها عليه. سألنا أن نهدم الطاغية، وأن نترك الزنا، وشرب الخمر والربا، فلما حلّوا بلادهم جاءتهم ثقيف، فقال الوفد: جئنا رجلاً فظّاً غليظاً قد ظهر بالسيف، ودان الناس له، فعرض علينا أموراً شديدة، وذكروا ما تقدم. فقالوا: والله لا نطيعه أبداً، فقالوا لهم: أصلحوا سلاحكم، ورمُّوا حصونكم، واستعدوا للقتال، فأجابوا، واستمروا على ذلك يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم، فقالوا: والله ما لنا بحربه من طاقة، ارجعوا إليه وأعطوه ما سأل، فقال الوفد: قد قاضيناه وأسلمنا، فقالوا لِمَ كتمتم علينا ذلك؟ قالوا: حتى تذهب عنكم نخوة الشيطان فأسلموا.
هدم اللات
ولما بلغ رسولَ الله إسلام ثقيف أرسل أبا سفيان، والمغيرةبن شعبة الثقفي، لهدم اللات: صنم ثقيف بالطائف، فتوجهوا وهدموه حتى سوَّوْهُ بالأرض.
حج أبي بكر
وفي أُخريات ذي القعدة، أرسل عليه الصلاة والسلام أبا بكر ليحجّ بالناس، فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة، ومعه الهَدْي: عشرون بَدَنَةً أهداها رسول الله، وساق أبو بكر خمس بَدَنات، ولما سافر نزل على رسول الله أوائل سورة براءة، فأرسل بها عليّاً ليبلغها الناس في يوم الحج الأكبر، وقال: «لا يبلغُ عني إلا رجل منّي» فلحق أبا بكر في الطريق، فقال الصديق: هل استعملك رسول الله على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ أو أتلو «براءة» على الناس. فلما اجتمعوا بمنى، يوم النحر، قرأ عليهم عليٌّ ثلاث عشرة آية من أول سورة براءة، تتضمن نبذ العهود لجميع المشركين الذين لم يوفّوا عهودهم، وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون فيها في الأرض كيف شاؤوا، وإتمام عهد المشركين الذين لم يُظاهروا على المسلمين، ولم يغدروا بهم إلى مدتهم، ثم نادى: لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وكان علي يصلي في هذا السفر وراء أبي بكر رضي الله عنهما.
وفاة ابن أبيّ
وفي ذي القعدة مات عبد اللهبن أُبَيَ، وقد صلَّى عليه رسول الله صلاة لم يطل مثلها، وشَيَّعَ جنازته حتى وقف على قبره، وإنما فعل ذلك تطييباً لقلب ولده عبد اللهبن عبد الله، وتأليفاً لقلوب الخزرج لمكانة عبد اللهبن أبيّ فيهم، وقد نزع ربقة النفاق كثير من المنافقين بعد هذا اليوم، لما رأوه من أعمال السيد الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد نهى الله رسوله عن الصلاة على المنافقين، فقال جلّ شأنه في سورة براءة: وَلاَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} (التوبة: 84).
وفاة أُمّ كلثوم
وفي هذه السنة توفيت أُمّ كلثوم بنت رسول الله وزوج عثمان رضي الله عنهما.
السَّنَة العاشرة
سرية
في ربيع الآخر أرسل عليه الصلاة والسلام خالدبن الوليد في جمع لبني عبد المَدَان بنجران من أرض اليمن، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاث مرات فإن أبوا قاتلهم، فلما قدم إليهم بعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام ويقولون: أسلموا، تسلموا، فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً، فأقام خالد بينهم يعلمهم الإسلام والقرآن، وكتب إلى رسول الله بذلك، فأرسل إليه أن يقدم بوفدهم ففعل. وحين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم قال لهم: «بِمَ كنتم تغلبون مَنْ قاتلكم في الجاهلية؟» قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحداً بظلم، قال: «صدقتم» وأمَّر عليهم زيدبن حصين.
سرية
وفي رمضان أرسل عليه الصلاة والسلام علياً في جمع إلى بني مذْحِج ــــ قبيلة يمانية ــــ وعَمَّمه بيده، وقال: «سر حتى تنزل بساحتهم، فادعهم إلى قول: لا إله إلاّ الله، فإن قالوا: نعم، فَمُرْهُمْ بالصلاة ولا تبغِ منهم غير ذلك، وَلأَنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس، ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك» فلما انتهى إليهم لقي جموعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ورموا المسلمين بالنبل فصفَّ عليٌّ أصحابه وأمرهم بالقتال، فقاتلوا حتى هزموا عدوهم فكفَّ عن طلبهم، ثم لحقهم ودعاهم إلى الإسلام فأجابوا، وبايعه رؤساؤهم، وقالوا: نحن على مَنْ وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله، ففعل. ثم رجع إلى رسول الله فوافاه بمكة في حجة الوداع.
بعث العمال إلى اليمن
ثم بعث عليه الصلاة والسلام إلى اليمن عمالاً من قبله، فبعث معاذبن جبل على الكورة العليا من جهة عدن، وبعث أبا موسى الأشعري على الكورة السفلى، ووصّاهما صلى الله عليه وسلم بقوله: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا» وقال لمعاذ: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأَنَّ محمداً رسول الله، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» وقد مكث معاذ باليمن حتى توفي رسول الله، أما أبو موسى فقدم على الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
خطبة الوداع
وفي السنة العاشرة حج صلى الله عليه وسلم بالناس حجة ودّع فيها المسلمين، ولم يحج غيرها. وخرج لها يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، وولّى على المدينة أبا دجانة الأنصاري، وكان مع الرسول جمع عظيم يبلغ تسعين ألفاً، وأحرم للحج حيث انبعثت به راحلته ثم لبّى، فقال: «لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شرك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك لا شريك لك». ولم يَزَل صلى الله عليه وسلم سائراً حتى دخل مكة ضحى من الثنية العليا وهي ثنية كَدَاء. ولما رأى البيت قال: «اللهمّ زدْه تشريفاً وتعظيماً ومهابةً وبراً». ثم طاف بالبيت سبعاً، واستلم الحجر الأسود، وصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم شرب من ماء زمزم، ثم سعى بين الصفا والمروة سبعاً راكباً على راحلته، وكان إذا صعد الصفا يقول: «لا إله إلا الله، الله أكبر، لا إله إلاّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». وفي الثامن من ذي الحجة توجه إلى منى فبات بها.
حجة الوداع
وفي التاسع منه توجه إلى عَرَفة، وهناك خطب خطبته الشريفة التي بيَّن فيها الدين كله أُسَّهُ وفرعه، وهاكَ نصها:
«الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. مَنْ يهدِ الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضْلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: أُوصيكم عباد الله بتقوى الله وأَحُثُّكُم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير، أما بعد: أيها الناس اسمعوا منّي أُبَيِّن لكم فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيّها الناس إن دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم إلى أن تلقَوا ربَّكم، كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهمّ فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها.
إن ربا الجاهلية موضوع، وإنَّ أول رباً أبدأ به ربا عمي العباسبن عبد المطلب، وإن دماءَ الجاهلية موضوعة وأوَّلُ دم أبدأ به دم عامربن ربيعةبن الحارث، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعَمْد قَوَدٌ، وَشِبْهُ العَمْد ما قُتِل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحقرِون من أعمالكم.
أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يُضَلُّ به الذين كفروا يحلّونه عاماً، ويحرمونه عاماً، ليواطئوا عدة ما حرّم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عِدَّةَ الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حُرُمٌ، ثلاث متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جُمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد.
أيُها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهنّ حقٌّ إلاّ يوطئن فرشَكُم غيركم، ولا يُدخلنَ أحداً تكرهونه بيوتَكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن، فإن الله أذن لكم أن تَعْضُلُوهُنَّ، وتهجروهُنَّ في المضاجع، وتضربوهنّ ضرباً غير مُبَرِّح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وإنما النساء عندكم عَوَان، لا يملكن لأنفسهنّ شيئاً، أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهنّ خيراً، ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد.
أيّها الناس إنما المؤمنون إخوة، ولا يَحِلُّ لامرىء مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلّغت؟ اللهمّ اشهد، فلا تَرْجِعُنَّ بعدي كُفَّاراً يضرب بعضكم رقابَ بعضٍ، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضِلوا بعده: كتاب الله، ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد.
أيها الناس إن ربكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضلٌ على عجمي إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد، فليبلغ الشاهدُ منكم الغائب.
أيُّها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز لوارثٍ وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش، وللعاهر الحَجَرُ، من ادّعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، والسلام عليكم ورحمة الله» وفي هذا اليوم امتنَّ الله على المؤمنين بقوله في سورة المائدة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً} (المائدة: 3) فلا غرابة أن اتخذه المسلمون عيداً، ويوماً سعيداً، يُظهرون فيه شكر الله على هذه النعمة الكبرى. ثم إنه عليه الصلاة والسلام أدَّى مناسك الحج من رمي الجمار، والنحر، والحلق، والطواف. وبعد أن أقام بمكة عشرة أيام قَفَلَ إلى المدينة ولما رآها كبَّر ثلاثاً وقال: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده».
الوفود
في هذه السنة والتي قبلها كان وُفود العرب إلى رسول الله ليبايعوه على الإسلام، وكانوا يَقْدُمون أفواجاً، ولما في أخبار هذه الوفود من التعاليم الحميدة التي يحتاج ذو الأدب أن يعرفها، رأينا أن نذكر لك منها ما يزيدك يقيناً ويُنير بصيرتك فنقول:
وفود نَجْران
ومن الوفود وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكباً، دخلوا المسجد وعليهم ثياب الحِبَرَةِ وأردية الحرير، مختمين بالذهب، ومعهم بسط فيها تماثيل، ومُسُوحٌ جاؤوا بها هدية للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقبل البسط وقبل المُسُوح. ولما جاء وقت صلاتهم صلّوا في المسجد مستقبلين بيت المقدس.
ولما أتموا صلاتهم دعاهم عليه الصلاة والسلام للإسلام فأبوا وقالوا: كنّا مسلمين قبلكم، فقال عليه الصلاة والسلام: «يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولداً»، قالوا: فمن مثل عيسى خلق من غير أب؟ فأنزل الله في ذلك في سورة آل عمران: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءنَا وَأَبْنَآءكُمْ وَنِسَآءنَا وَنِسَآءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61)
وفود ضِمَامبن ثعلبة
ومن الوفود ضمامبن ثعلبة، بينما رسول الله بين أصحابه متكئاً جاء رجل من أهل البادية، ثائر الرأس، يُسمع دوي صوته، ولا يُفْقَه ما يقول، فأناخ جمله في المسجد، ثم قال: أيّكم ابنُ عبد المطلب؟ فدلّوه عليه، فدنا منه وقال: إني سائلُكَ فمشدّدٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدْ عليّ في نفسك. فقال: «سَلْ ما بدا لك»، فقال: أَنْشُدُك بالله، آلله أرسَلك إلى الناس كلِّهم؟ فقال: «نعم»، فقال: أَنْشُدُكَ بالله، آلله أمرك أن نصلّي خمسَ صلوات في اليوم والليلة؟ قال: «اللهمّ نعم»، فقال: أَنْشُدُكَ بالله، آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فتردَّه على فقرائنا؟ قال: «اللهمّ نعم»، فقال: أَنْشُدُكَ بالله، آلله أمرك أن نحجَّ هذا البيت من استطاع إليه سبيلاً؟ قال: «اللهمّ نعم»، قال: فإني قد آمنتُ وصدقتُ وأنا ضِمَامُبن ثعلبة.
ولما ولَّى، قال عليه الصلاة والسلام: «فَقُهَ الرجل»، ثم ذهب ضمام إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام، وتركِ عبادة الأوثان فأسلموا كلهم.
وفود عبد القيس
ومن الوفود عبد القيس، وكان من خبرهم أن الرسول كان جالساً بين أصحابه يوماً، فقال لهم: «سيطلع عليكم من هنا ركبٌ هم خير أهل المشرق، لم يُكرهوا على الإسلام، قد أنضَوا الركائب، وأفنوا الزاد، اللهمّ اغفر لعبد القيس». فلما أتوا ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم رَمَوا بأنفسهم عن الركائب بباب المسجد، وتبادروا إلى رسول الله، يسلمون عليه، وكان فيهم عبد اللهبن عوف الأَشَجّ، وكان أصغرهم سنَّاً، فتخلَّفَ عند الركائب حتى أناخها وجمع المتاع، وأخرج ثوبين أبيضين فلبسهما، ثم جاء يمشي هَوْناً حتى سلَّم على رسول الله، وكان رجلاً دميماً، فَفَطِن لنظر الرسول إلى دَمَامته، فقال: يا رسول الله إنه لا يُستقى في مسوك ــــ أي: جلود ــــ الرجال، وإنما الرجل بأصغريه: قلبه ولسانه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن فيك خلتين يحبُّهما الله ورسوله: الحِلم والأناة».v وقد قال صلى الله عليه وسلم لهذا الوفد: «مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى»، فقالوا: يا رسول الله إنّا نأتيك من شُقَّةٍ بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مُضر، وإنّا لا نصلُ إلاّ في شهر حرام، فمُرنا بأمرٍ فصل، فقال: «آمركم بالإيمان بالله. أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن الدُّبَّاء، والحَنتَمِ، والنَّقِير، والمزفَّت» والمراد بذلك: ما ينبذ في هذه الأواني. فقال الأشج: يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة، وإنا إذا لم نشرب هذه الأشربة عظمت بطوننا، فَرَخِّص لنا في مثل هذه، وأشار إلى يده، فأومأ عليه الصلاة والسلام بكفّيه، وقال: «يا أشج إن رخصتُ لك في مثل هذه شربته في مثل هذه ــــ وفرج بين يديه وبسطه ــــ حتى إذا ثَمِلَ أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمه فضربَ ساقه بالسيف». وإنما خَصَّ عليه الصلاة والسلام نهيهم بما ذكر لكثرة الأشربة بينهم.
وفود بني حَنيفة
ومن الوفود بنو حنيفة وكان معهم مُسَيلمة الكذاب، وكان مسيلمة يقول: إن جعل لي الأمر من بعده اتبعته، فأقبل عليه الصلاة والسلام ومعه ثابتبن قَيْسبن شَمَّاس، وفي يد رسول الله قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: «إنْ سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، وإني لأُراك الذي منه رأيت». وكان عليه الصلاة والسلام قد رأى في منامه أن في يده سوارين من ذهب، فأهمَّه شأنهما، فأوحى الله إليه أن انفخهما فنفخهما فطارا، فأوّلهما صلى الله عليه وسلم كذابَيْن يخرجان من بعده، فكان مسيلمة أحدهما، والثاني: الأسود العنسي صاحب صنعاء. وقد أسلم بنو حنيفة.
وفود طَيِّىء
ومن الوفود وفد طيِّىء، وفيهم زيد الخيل رئيسهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حقه: «ما ذُكرَ لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما قيل فيه إلا زيد الخيل» وسمّاه صلى الله عليه وسلم زيد الخير.
وفود كِنْدة
ومنهم وفد كندة وفيهم الأشعثبن قيس، وكانَ وجيهاً مطاعاً في قومه. ولما دخلوا على رسول الله خبأوا له شيئاً، وقالوا: أخبرنا عمّا خَبأناه لك؟ فقال: «سبحان الله إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإنَّ الكاهن والمتكهن في النار». ثم قال: «إن الله بعثني بالحق، وأنزل عليّ كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه»، فقالوا: أسمعنا منه، فتلا عليه الصلاة والسلام: وَالصَّافَّاتِ صَفَّا(1) فَالزجِراتِ زَجْراً(2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً(3) إِنَّ الهكُمْ لَوَاحِدٌ(4) رَّبُّ السَّمَاواتِ وَالاْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ(5) وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً(86) إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا(87)
وفود أَزْدِ شنوءَة
ومنهم وفد أزد شنوءة، ورئيسهم صُرَدُبن عبد الله الأزدي، فأسلموا وأمَّره عليهم، وأمره بأن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك.
وفود رسول ملوك حِمْيَر
ومنهم وفد رسول ملوك حمير وهم: الحارثبن عبد كُلال، ونعيمبن عبد كُلال، والنُّعمان قَيْلُ ذي رُعين، ومَعَافِرَ، وهَمْدان، وكانوا قد أسلموا وأرسلوا رسولهم بذلك فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم.
كتاب ملوك حِمْيَر
بسم الله الرحمان الرحيم، من محمد رسول الله، إلى الحارثبن عبد كُلال وإلى نُعيمبن عبد كُلال، وإلى النعمان قَيلِ ذي رُعَيْن، ومَعافر، وهَمْدان. أما بعد: فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فلقيناه بالمدينة فبلَّغ ما أرسلتم به، وخبَّر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم، وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من الغنائم خُمُس الله، وسهمَ النبي وصَفِيَّهُ، وما كُتب على المؤمنين من الصَّدقة. أما بعد: فإن محمداً النبي أرسل إلى زُرْعَةَبن ذي يزن إذا أتاكم رُسُلي فأوصيكم بهم خيراً: مُعاذبن جبل، وعبد اللهبن زيد، ومالكبن عُبادة، وعُقبةبن نمر، ومالكبن مُرّة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم، وأبلغوها رسُلي، وإن أميرهم معاذُبن جبل فلا يَنقَلِبَنَّ إلا راضياً، أما بعد: فإن محمداً يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالكبن مرّة الرَّهاوي قد حدّثني أنك قد أسلمت من أوّل حِمْيَر، وقتلت المشركين، فأبشر بخير وآمرك بحِمْيَر خيراً، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تَحِلُّ لمحمد ولا أهل بيته، إنما هي زكاة يُزَكى بها على فُقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكاً قد بلَّغ الخبر، وحفِظ الغَيب، وآمركم به خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وفود هَمْدان
ومنها وفد هَمْدان، وفيهم مالكبن نَمَط، وكان شاعراً مجيداً، فلقوا رسول الله مَرْجِعَهُ من تبوك، عليهم مُقَطَّعَات من الحِبَرات اليمنية، والعمائم العدنية، وقد أنشد مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
حلفتُ بربّ الراقصاتِ إلى مِنًىصَوادرَ بالركبانِ من هَضْب قَرْدَدِبأَن رسولَ اللهِ فينا مُصَدَّقٌرسولٌ أتى من عند ذي العرش مهتدِفما حملتْ من ناقةٍ فوقَ رحلهاأشدَّ على أعدائِهِ من محمدِ وقد أمَّره صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وقد قال الرسول في حق هَمْدان: «نعم الحيّ هَمْدَان، ما أسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد، وفيهم أبدال وفيهم أوتاد».
وفود تُجِيْب
ومنها وفد تُجيْب، قبيلة من كِنْدة، وفد على رسول الله ثلاثة عشر رجلاً منهم، ومعهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسُرّ بهم عليه الصلاة والسلام وأكرم مثواهم، وقالوا: يا رسول الله إنّا سُقْنَا إليك حق الله في أموالنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ردّوها فاقسموها على فقرائكم». فقالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا، قال أبو بكر: يا رسول الله ما قدم علينا من وفد من العرب مثل هذا. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الهدى بيد الله، فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان»، وجعلوا يسألونه عن القرآن، فازداد صلى الله عليه وسلم رغبة فيهم، ثم أرادوا الرجوع إلى أهليهم فقيل لهم: ما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى مَنْ وراءنا فنخبرهم برؤية رسول الله ولقائنا إيّاه وما ردّ علينا، ثم جاؤوا إلى رسول الله فودعوه، فأجازهم بأفضل ما كان يُجيز به الوفود، ثم قال لهم: «هل بقي منكم أحد؟» قالوا: غُلام خَلّفْناه في رحالنا وهو أحدثنا سِنّاً، قال: «فأرسلوه إلينا» فأرسلوه، فأقبل الغلام، وقال: يا رسول الله أنا من الرهط الذين أتوك آنفاً فقضيت حاجتهم فاقضِ حاجتي، قال: «وما حاجتك؟» قال: تسأل الله أن يغفرَ لي ويرحمني ويجعلَ غناي في قلبي. فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهمّ اغفر له، وارحمه، واجعل غناه في قلبه»، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه.
وفود ثعلبة
ومنها وفد ثَعْلَبة، وفد على رسول الله أربعة منهم مقرّين بالإسلام، فسلَّموا عليه وقالوا: يا رسول الله إنّا رُسل مَنْ خلفنا من قومنا ونحن مقرُّون بالإسلام، وقد قيل لنا: إنك تقول: لا إسلام لمن لا هجرة له، فقال عليه الصلاة والسلام: «حيثما كنتم واتَّقَيْتُم الله فلا يَضُرُّكم»، ثم قال لهم: «كيف بلادكم؟» فقالوا: مخصبون، فقال: «الحمد لله». ثم أقاموا في ضيافته أياماً، وحين إرادتهم الانصراف أجاز كل واحد منهم بخمس أواق من فضة.
وفود بني سعدبن هُذَيم
ومنها وفد بني سعدبن هذيم من قُضَاعةَ، قال النعمان منهم: قدِمت على رسول الله وافداً في نفر من قومي، وقد أوطأ رسول الله البلاد، وأزاح العرب، والناس صنفان: إما داخل في الإسلام راغب فيه، وإما خائف السيف، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نَؤُمُّ المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فوجدنا رسول الله يصلي على جَنازة في المسجد، فقمنا خلفه ناحية، ولم ندخل مع الناس في صلاتهم، وقلنا حتى يصلي رسول الله ونُبايعه. ثم انصرف رسول الله فنظر إلينا فدعا بنا فقال: «ممّن أنتم؟» فقلنا من بني سعدبن هذيم، فقال: «أمسلمون أنتم؟» قلنا: نعم، فقال: «هَلاَّ صلّيتم على أخيكم؟» قلنا: يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز حتى نبايعك، فقال عليه الصلاة والسلام: «أينما أسلمتم فأنتم مسلمون». قال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله بأيدينا، ثم انصرفنا إلى رِحَالنا، وقد كُنَّا خَلَّفْنَا عليها أصغرنا فبعث عليه الصلاة والسلام في طلبنا، فأتى بنا إليه فتقدم صاحبنا فبايعه صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله إنه أصغرنا وإنه خادمنا، فقال: «سيد القوم خادمهم، بارك الله عليه». قال النعمان: فكان خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أجازهم وانصرفوا.
وفودبن فَزَارة
ومنها وفد بني فزارة، وفَدَ على رسول الله جماعة منهم مقرّين بالإسلام وهم مُسْنِتون، فسألهم عليه الصلاة والسلام عن بلادهم، فقال رجل منهم: يا رسول الله أَسْنَتَتْ بلادُنا، وهلكت مواشينا، وأجدَب جَنَابُنا، وجاعت عيالنا. فادعُ لنا ربك يُغثْنا. واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك، فقال عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله ويلك هذا أنا أشفع إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا هو العليّ العظيم، وسِعَ كرسيّه السموات والأرض، فهي تَئِطُّ من عظمته وجلاله كما يئط الرَّحْل الحديث». أي من ثقل الحمل. ثم صعد عليه الصلاة والسلام المنبر، ودعا الله عزّ وجلّ حتى أغاث بلاد هذا الوفد بالمطر الغزير، والرحمة التامة.
وفود بني أَسَد
ومنها وفد بني أسد، وفيهم: ضِرَارُبن الأزوَر وطُليحةبن خويلد الذي ادّعى النبوّة بعد ذلك، فأسلموا، وقالوا: يا رسول الله أتيناك نتدرَّع الليل البهيم في سنة شهباء ولم تبعث إلينا بعثاً، فأنزل الله في ذلك: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلاْيمَانِ إِنُ كُنتُمْ صَادِقِينَ(17)
وفود بني عُذْرَة
ومنها وفد بني عذرة، ووفد بني بَلِيّ، ووفد بني مُرَّة، ووفد خوْلان ــــ وهي قبائل باليمن ــــ وقد أمرهم عليه الصلاة والسلام بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وحسن الجوار لمن جاوروا، وأن لا يظلموا أحداً فإن الظلمَ ظلماتٌ يوم القيامة.
وفود بني مُحارب
ومنها وفد بني محارب، وكانوا من الذينَ ردُّوا الرد القبيح حينما كان رسول الله بعكاظ يدعو القبائل إلى الله، فما أعظم منّة الله الذي أتى بهؤلاء ــــ وكانوا ألدّ الأعداء ــــ مسلمين مُنقادين
وفود غَسَّان
ومنها وفد غسان، ووفد بني عَبْس، ووفد النخع.
وكان عليه الصلاة والسلام يقابل هذه الوفود بما جَبَلَهُ الله عليه من البشاشة، وكرم الأخلاق، ويُجيزهم بما يرضيهم، ويعلمهم الإيمان والشرائع، ليعلِّمُوا من وراءهم، وكانت هذه الوفود أعظم وصلة لإظهار الدين بين الأعراب في البوادي.
وفاة إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام
وفي هذه السنة توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السَّنَة الحادية عشرة
سرية
لأربع بقينَ من صفر، جهز عليه الصلاة والسلام جيشاً برياسة أُسامةبن زيد إلى أُبْنى حيث قتل زيدبن حارثة، والد أُسامة، وقال له: «سر إلى موضع قتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك هذا الجيش، فأَغِرْ صباحاً على أهل أُبْنى، وحرِّق عليهم، وأسرع السير لتسبق الأخبار، فإن أظفرك الله فأقلَّ اللبث فيهم، وخذ الأدلاَّء، وقدِّم العيون والطلائع معك». وكان مع أُسامة في هذا الجيش كبار المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد.
ثم عقد عليه الصلاة والسلام لأُسامة اللواء، وقال له: «اغزُ باسم الله، في سبيل الله، وقاتل من كفر بالله».
وقد انتقد جماعة على تأمير أُسامة وهو شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره على جيش فيه كبار المهاجرين، فأُبلغ الرسول هذه المقالة فغضب غضباً شديداً، وخرج، فقال: «أما بعد، أيّها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة؟ ولئن طعنتم في تأميري أُسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وايمُ الله إنه كان لخليقاً بالإِمارة، وان ابنه من بعده لخليقٌ بها، وإن كان لمن أحبّ الناس إليَّ، وإنهما لمظنّة لكل خير، فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم».
ولم يتم لهذا الجيش الخروج في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم لأن المرض بدأة فاختاره الله للرفيق الأعلى. وسيرى القارىء إن شاء الله خروج هذا الجيش متمّماً في كتابنا «إتمام الوفاء بسيرة الخلفاء».
مرض الرسول صلى الله عليه وسلم
لما تمّم عليه الصلاة والسلام ما كُلِّفَ به، وأدى ما اؤتمن عليه، وهدى الله به أمته، اختاره الله للرفيق الأعلى، فجلس على المنبر مرة، وكان فيما قال: «إن عبداً خيَّره الله بين أَنْ يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده». فبكى أبو بكر، وقال: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن أمَنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، لو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذتُ أبا بكر، ولكن أُخوة الإسلام، لا يبقى في المسجد خَوخة إلا سُدَّت إلا خَوْخة أبي بكر».
وقد بدأه عليه الصلاة والسلام مرضُه في أواخر صَفَر من السنة الحادية عشرة من الهجرة في بيت ميمونة، واستمر مريضاً ثلاثة عشر يوماً، كان في خلالها ينتقل إلى بيوت أزواجه، ولما اشتد عليه المرض استأذن منهنّ أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة الصدّيقة فأَذِنَّ له، ولما دخل بيتها واشتد عليه وجعه، قال: «هَريقوا علي من سبع قِرَب لم تُحْلَلْ أوكيتُهُنّ لعلّي أعهد إلى الناس». فأُجلس في مِخضَب، وصبّ عليه الماء حتى أشار بيده أن قد فعلتن، وكان هذا الماء لتخفيف حرارة الحمى التي كانت تصيب مَن يضع يده فوق ثيابه.
صلاة أبي بكر بالناس
ولما تعذَّر عليه الخروج إلى الصلاة قال: «مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس» فرضيه عليه الصلاة والسلام خليفةً له في حياته. ولما رأت الأنصارُ اشتدادَ وجع الرسول طافوا بالمسجد، فدخلَ العباس، وأعلمه بمكانهم وإشفاقهم، فخرج صلى الله عليه وسلم متوكئاً على عليّ والفضل، وتقدم العباس أمامهم والنبي معصوبُ الرأس يَخُطُّ برجليه، حتى جلس في أسفل مِرقاة المنبر، وثار الناس إليه فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيّكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بعث الله فَأُخلَّد فيكم؟ ألا إني لاحق بربي، وإنكم لاحقون بي، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً، وأوصي المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ(2) إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ(3) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الاْرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ(22)
وبينما المسلمون في صلاة الفجر، من يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول، وأبو بكر يصلي بهم، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف سِجْفَ حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر رضي الله عنه على عقبه ليصلَ الصَّفَّ، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله، فأشار إليهم بيده: أن أتّموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولم تأت ضحوة هذا اليوم حتى فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم دنياه، ولحق بمولاه، وكان ذلك في يوم الاثنين 13 ربيع أول سنة 11 (8 يونيو سنة 633) فيكون عمره عليه الصلاة والسلام 63 سنة قمرية كاملة، وثلاثة أيام، وإحدى وستين شمسية، وأربعة وثمانين يوماً، وكان أبو بكر غائباً بالسُّنْح ــــ وهي منازل بني الحارثبن الخزرج ــــ عند زوجه حبيبة بنت خارجةبن زيد، فسلَّ عمر سيفه، وتوعَّد مَنْ يقول: مات رسول الله، وقال: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فلبثَ عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يُقَطِّع أيدي رجالٍ وأرجلَهم.
فلما أقبل أبو بكر وأُخبر الخبر دخل بيت عائشة، وكشف عن وجه رسول الله، فجثا يُقَبِّلُه، ويبكي، ويقول: توفي والذي نفسي بيده صلوات الله عليك يا رسول الله ما أطيبك حيّاً وميتاً، بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين. ثم خرج فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا من كان يعبدُ محمداً، فإنّ محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، وتلا قوله تعالى: إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ(30) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(144)
ثم مكث عليه الصلاة والسلام في بيته بقية يوم الاثنين، وليلة الثلاثاء ويومه وليلة الأربعاء، حتى انتهى المسلمون من إقامة خليفة عليهم، فَغُسِّلَ ودُفِنَ، وكان الذي يغسله عليُّبن أبي طالب، ويساعده العباسُ، وابناه الفضل وَقُثَم، وأُسامةبن زيد، وشُقْران مولى رسول الله، وكُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة. ولما فرغوا من تجهيزه وُضع على سريره في بيته، ودخل الناس عليه أرسالاً متتابعين يُصَلُّون عليه، ولم يؤمّهم أحد، ثم حُفِرَ له لحد في حجرة عائشة حيث توفي، وأنزله القبرَ عليّ والعباس وولداه الفضل وَقُثَم، وَرَشَّ قبره بلال بالماء، ورُفع قبره عن الأرض قدر شبر. توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك للمسلمين ما إن اتبعوه لم يضرّهم شيء: كتابَ الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وترك أصحابه البررة الكِرام، يوضِّحون الدين، ويتمّمون فتح البلاد، ويُظهرون في الدنيا شمس الدين الإسلامي القويم، حتى يتمّم الله كلمته، ويحقّ وعده، وقد فعل، فنسأل الله أن يقدّرنا على أداء شكره على هذه المنّة العظمى، والنعمة الكبرى.
شمائله عليه الصَّلاة والسَّلام
منح الله سبحانه نبيّنا صلى الله عليه وسلم من كمالات الدنيا والآخرة ما لم يمنحه غيره ممّن قبله أو بعده، ولا بدّ أن نأتي لك في هذا الباب بنبذة يسيرة من محاسن صفاته، وأحاسن آدابه، لتكون لك أنموذجاً تسير عليه، حتى تكون على قدم نبيّك صلى الله عليه وسلم، فتستحق الحمد في الدنيا والذخر في الأخرى.
فاعلم ــــ أرشدني الله وإياك، وهدانا للصراط السوي ــــ أن خصال الجلال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي: اقتضته الجِبلَّة، وضرورة الحياة، ومكتسبٌ ديني: وهو ما يُحمد فاعله ويُقَرِّبُ إلى الله زلفى.
فأما الضروري: فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب مثل ما كان في جبلَّته عليه الصلاة والسلام من كمال الخِلْقة، وجمال الصورة، وقوة العقل، وصحة الفهم، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس، والأعضاء، واعتدال الحركات، وشرف النسب، وعزّة القوم، وكرم الأرض، ويلحق به ما تدعو ضرورة الحياة إليه من الغذاء والنوم والملبس والمسكن والمال والجاه.
أما المكتسبة الأخروية: فسائر الأخلاق العليّة والآداب الشرعية من الدين، والعلم، والحِلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفّة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحُسن الأدب، والمعاشرة، وأخواتها وهي التي يجمعها حُسن الخُلق.
فإذا نظرت ــــ رعاك الله ــــ إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة، وفي جبلَّة الخِلقة، وجدته عليه الصلاة والسلام حائزاً لجميعها، محيطاً بشتات محاسنها. فأما الصورة وجمالها وتناسب أعضائه في حُسنها، فقد جاءت الآثار الصحيحة والمشهورة الكثيرة بذلك من أنه صلى الله عليه وسلم كان: أزهر اللون، أدعج، أنجل، أشكَل، أهدب الأشفار، أبلج أزج أقنى أفلج مدور الوجه واسع الجبين كث اللحية تملأ صدره، سواءَ البطن عظيم الصدر، عظيم المنكبين، ضخم العِظام، عَبْل العضدين والذراعين والأسافل، رَحْب الكفَّين والقدمين، سائل الأطراف، أنورَ المُتَجَرَّد، دقيق المسرُبة، رَبْعة القدِّ، ليس بالطويل البائِن، ولا القصير المتردِّد، ومع ذلك فلم يكن يُماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طالَه صلى الله عليه وسلم، رَجِل الشعر، إذا افترَّ ضاحكاً افتر عن مثل سَنا البرق، وعن مثل حبِّ الغمام، وإذا تكلم رُئِي كالنُّور يخرجُ من بين ثناياه، أحسن الناس عُنُقاً، ليس بِمُطَهَّمٍ، ولا مُكَلْثَمٍ، متماسِك البدن، ضرب اللَّحم.c قال البراءبن عازب: ما رأيتُ من ذي لِمَّةِ سوداء، في حلّة حمراء، أحسن من رسُول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة: ما رأيتُ شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجُدُر. وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. وقال علي في آخر وصفه له: من رآه بَديهة هَابَهُ، ومن خالطهُ معرِفةً أحبَّه، يقول ناعِتُهُ: لم أرَ قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.
وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرَقه، ونزاهته عن الأقذار، وعورات الجسد، فكان قد خصَّه الله تعالى في ذلك بخصائص لم توجد في غيره، ثم تممها بنظافة الشرع. قال عليه الصلاة والسلام: «بُنِي الدين على النظافة». وقال أنس: ما شَممت عنبراً قط، ولا مسكاً، ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن جابربن سمرة، أنه عليه الصلاة والسلام مسح خَدَّه، قال: فوجدت ليده بَرداً وريحاً كأنما أخرجها من جُؤنة عطار. قال غيره: مَسَّها بطيب أو لم يمسَّها. يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، يضع يده على رأس الصبي، فيُعرف من بين الصِّبيان بريحها، وروى البخاري في تاريخه الكبير عن جابر: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمرّ في طريق فيتبعه أحد إلا عُرِف أنه سلكه من طيبه. وأما وفُور عقلهِ صلى الله عليه وسلم، وذكاء لُبِّه، وقوةُ حواسه، وفصاحةُ لسانه، واعتدالُ حركاته، وحسن شمائله، فلا مِرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمَّل تدبيره أمْرَ بواطن الخلق، وظواهرهم، وسياسته للعامة والخاصة، مع عجيب شمائله وبديع سِيَره فضلاً عمّا أفاده من العلم، وقرّره من الشرع، دون تعلّم سابق، ولا ممارسة تقدَّمتْ، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتَرِ في رُجْحان عقله، وثُقُوب فهمه لأول بديهة.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وبذلك فُسِّر قوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ(219)
وأما فصاحةُ اللسان، وبلاغة القول، فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحلِّ الأفضل، والموضع الذي لا يُجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف، أُوتي جوامِع الكَلِم، وخُصَّ ببدائعِ الحكم، وعُلِّم ألسنةَ العرب، فكان يُخاطِب كل أمةٍ منها بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويُباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله. من تأمل حديثه وسيرَه علم ذلك وتحقَّقه. وليس كلامه مع قريش ككلامه مع أقيال حضرموت، وملوك اليمن، وعظماء نجد. بل يستعمل لكل قبيلة ما استحسنته من الألفاظ، وما انتهجته من طرق البلاغة ليُبَيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، وليحدِّث الناس بما يعلمون.
وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة، فقد ألَّفَ النَّاسُ فيها الدواوين، وجُمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها ما لا يُوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة، كقوله: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم». وقوله: «الناس كأسنان المشط»، و«المرء مع من أحَبّ»، و«لا خير في صُحبة مَنْ لا يرى لك ما ترى له»، و«الناس معادن»، و«ما هلك امرؤ عرف قدره»، و«المستَشَار مؤتمن»، و«رحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم». وقوله: «أسلِم تَسلم، وأسلم يُؤتِك الله أجرك مرتين»، و«إن أحبّكم إليّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسِنُكُم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذين يَألفون ويُؤلفون». وقوله: «لعلّه كان يتكلم بما لا يعنيه، أو يبخل بما لا يغنيه»، وقوله: «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً». ونهيه عن «قيل وقال، وكثرة السُّؤال، وإضاعة المال، ومَنْعٍ وهاتِ، وعقوق الأمهات، ووأد البنات»، وقوله: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بِخُلق حسن»، و«خير الأمور أوساطها». وقوله: «أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما»، وقوله: «الظلم ظلمات يوم القيامة». وقوله في بعض دعائه: «اللهمّ إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلمّ بها شَعْثي، وتُصلح بها غائبي، وتُزكي بها عملي، وتُلهمني بها رُشدي، وتردّ بها أُلْفَتي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهمّ إني أسألك الفوز في القضاء، ونُزُل الشهداء، وعيشَ السعداء، والنصر على الأعداء». إلى غير ذلك مما رَوَتهُ الكافّة عن الكافّة عن مقاماته، ومحاضراته، وخطبه، وأدعيته، ومخاطباته، وعهوده، مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يُقاس بها غيره، وحاز فيها سَبْقاً لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ. وقد قال أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك، فقال: «وما يمنعني؟ وإنما أُنْزل القرآن بلساني، لسانٍ عربي مُبين». وقال
مرة أخرى: «أنا أفصح العرب بيدَ أني من قريش، ونشأت في بني سعد». فجمع له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإِلهي الذي مددُهُ الوحي الذي لا يُحيط بعلمه بشر.
وأما سروّ نسبه، وكرم بلده، ومنشئه، فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مُشكلٍ، ولا خفي منه. فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب، وأعزّهم نفراً من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة، أكرم بلاد الله على الله وعلى عباده. وقد قدّمنا لك في أول الكتاب ما فيه الكفاية في هذا المقام.
أما ما تدعو إليه ضرورة الحياة، فمنه ما الفضل في قلته، ومنه ما الفضل في كثرته، ومنه ما تختلف الأحوال فيه، فالأول: كالغذاء والنوم، ولم تَزَل العرب والحكماء قديماً تتمادح بقلتهما، وتذم بكثرتهما، لأن كثرة الأكل والشرب دليلٌ على النَّهَم والحرصِ، والشَّرَهِ وغلبةِ الشهوةِ، مسببٌ لمضار الدنيا والآخرة، جالبٌ لأدواء الجسد، وخُثارة النفس، وامتلاء الدماغ. وقلته دليلٌ على القناعة، وملك النفس. وقمع الشهوة، مُسَبِّبٌ للصحة، وصفاء الخاطر، وحدّة الذهن، كما أن النوم دليل على الفسولة والضعف، وعدم الذكاء والفطنة، مسبّبٌ للكسل، وعادة العجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب وغفلته وموته. وكان عليه الصلاة والسلام قد أخذ من الأكل والنوم بالأقل، وحضَّ عليه قال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأَ ابنُ آدمَ وعاءً شَرّاً من بطنهِ، حسبُ ابن آدمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كان لا محالةَ، فَثُلُثٌ لطعامهِ، وثلثٌ لشرابهِ، وثلثٌ لِنَفَسِهِ». ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب.
وقالت عائشة رضي الله عنها: لم يمتلىء جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعاً قطّ، وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاماً ولا يتشهَّاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قَبلَ، وما سقوه شرب. وفي صحيح الحديث: «أما أنا فلا آكل متكئاً» والاتِّكَاء: هو التَّمكنُ للأكل، والتقعدُدُ في الجلوس له، كالمتربّع وشبهه، من تمكُّن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفِزِ مُقْعِياً، ويقول: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبدُ»، وكذلك نومه كان قليلاً، ومع ذلك فقد قال: «إِنَّ عَيْنَيَّ تنامانِ ولا ينامُ قلبي».
وأما ما الفضل في كثرته، فكالجاه، وهو محمودٌ عند العقلاء عادة، وبقَدْرِ جاهه عِظَمُهُ في القلوب، وقد قال تعالى في صفة عيسى عليه السلام: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ} (آل عمران: 45).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رُزِق من الحشمة، والمكانة في القلوب، والعظمة قبل النبوّة عند الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه، ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره وقضوا حاجته، كما ذكرنا ذلك مِراراً، وقد كان يبهتُ ويفرق لرؤيته مَنْ لم يره، كما روي عن قَيْلَةَ أنها لما رأته أُرْعِدَتْ من الفَرَق فقال: «يا مسكينة عليكِ السكينة». وفي حديث أبي مسعود، أن رجلاً قام بين يديه فأُرْعِدَ، فقال له عليه الصلاة والسلام: «هوِّن عليك فإني لست بملك».
وأما عظيم قدره بالنبوّة، وشريف منزلته بالرسالة، وإنافة رتبته بالاصطفاء والكرامة في الدنيا، فأمر هو مبلغ النهاية، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم.
وأما ما تختلف فيه الحالات في التمدح به، والتفاخر بسببه والتفضيل لأجله، ككثرة المال، فصاحبه على الجملة معظَّم عند العامّة لاعتقادها تَوَصُّلَهُ به إلى حاجته، وتمكّنه في أغراضه، وإلا فليس فضيلة في نفسه، فمتى كان بهذه الصورة، وصاحبه مُنفقاً له في مهماته، ومهمات من قصده وأَمَّلَهُ، يصرفه في مواضعه، مشترياً به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة في القلوب. كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا. وإذا صرفه في وجوه البرّ، وأنفقه في سبل الخير، وقَصد بذلك الله تعالى والدار الآخرة، كان فضيلة عند الكل بكل حال، ومتى كان صاحبه مُمْسكاً له، غير موجهه وجوهه، حريصاً على جمعه، عادت كثرته كالعدم، وَكان مَنْقَصَة في صاحبه، ولم يقفْ به على جَدَدِ السلامة، بل أوقعه في وَهْدة رذيلة البخل، ومذمّة النذالة، فالتمدح بالمال ليس لذاته بل للتوصّل به إلى غيره، وتصريفه في مُتَصَرَّفاته، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم أُوتي خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد، وأُحِلَّت له الغنائم، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجُلب إليه كثير من أخماسها وَجِزْيَتِها وصدقاتها، وهاداه جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهماً بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وقال: «ما يسرني أن لي أُحُداً ذهباً يبيت عندي منه دينار إلا ديناراً أرصده لِدَيْني».
وأتته دنانير مرة فقسَّمها، وبقيت منها بقية فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه نوم حتى قام فقسمها، وقال: «الآن استرحت».
ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، واقتصر في نفقته وملبسه ومسكنه على ما تدعو ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشَّمْلَة، والكساء الخشن، والبُرْد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوصة بالذهب، ويرفعُ لمن لم يحضر، فأنت ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاز فضيلة المال بالزهد فيه، وإنفاقه على مستحقيه.
وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة وهي المسماة بحسن الخُلق فجميعها قد كانت خلق نبيِّنا صلى الله عليه وسلم على الانتهاء في كمالها، والاعتدال إلى غايتها حتى أثنى الله تعالى عليه بذلك فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)
فأصل فروعها، وعنصُر ينابيعها، ونقطة دائرتها: العقل الذي منه ينبعث العلم والمعرفة، ويتفرّع عن هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة، والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب، ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحُسن السياسة والتدبير، واقتناء الفضائل، وتجنُّب الرذائل، وقد بلغ عليه الصلاة والسلام منه ومن العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، يعلمُ ذلك من تَتَبَّعَ مجاري أحواله، واطّراد سيره، وطالعَ جوامع كَلِمه، وحُسن شمائله، وبدائع سِيَره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة، وحكم الحكماء، وسِيَر الأمم الخالية وأيامها، وضرب الأمثال، وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل الآداب النفيسة، والشيم الحميدة، إلى فنون العلوم التي اتَّخذ أهلها كلامه فيها قدوة وإشاراته حجة، كالطب والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك دون تعليم ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم، بل نبي أميّ لا يعرف شيئاً من ذلك، حتى شرح الله صدره، وأبان أمره وعلَّمه. وبحَسَب عقله كانت معارفه عليه الصلاة والسلام إلى سائر ما علَّمه الله، وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان، وعجائب قدرته، وعظيم ملكوته قال تعالى: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} (النساء: 113).
وأما الحلم والاحتمال والعفو مع القدرة، والصبر على ما يكرهه، فمما أدّب الله به نبيّه صلى الله عليه وسلم فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ(199) وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاْمُورِ} (لقمان: 17). وقال: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النور: 22). وقال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاْمُورِ(43)
قالت عائشة رضي الله عنها: «ما خُيِّر عليه الصلاة والسلام في أمرين قطّ إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تُنْتَهك حرمة الله، فينتقم لله».
ولما فعل به المشركون ما فعلوا في أُحُد، وطُلب منه أن يدعو عليهم قال: «اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
وحسبك في هذا الباب ما فعله مع مشركي قريش الذين آذوه، واستهزؤوا به، وأخرجوه من دياره هو وأصحابه، ثم قاتلوه، وحرّضوا عليه غيرهم من مشركي العرب، حتى تمالأَ عليه جمعهم، ثم لما فتح الله عليه مكة ما زاد على أن عفا وصفح، وقال: «ما تقولون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيراً أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم، فقال: «اذهبوا فأنتم الطُّلقاء». وعن أنس: كنت مع النبي عليه الصلاة والسلام وعليه بُرد غليظ الحاشية فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه، ثم قال: يا محمد احمل لي على بعيريَّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبي ثم قال: «المال مال الله وأنا عبده». ثم قال: «ويُقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي» قال: لا، قال: «لِمَ؟» قال: لأنك لا تكافىء بالسيئةِ السيئةَ، فضحك عليه الصلاة والسلام، ثم أمر أن يُحمل له على بعير شعيرٌ، وعلى الآخر تمرٌ.
قالت عائشة: ما رأيت رسول الله منتصراً من مَظْلمَةٍ ظلمها قطُّ، ما لم تكن حُرْمَةً من محارم الله تعالى، وما ضربَ بيده شيئاً قطُّ إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضربَ خادماً ولا امرأة، فصلى الله تعالى عليه، وأقرَّ عينه باتباع المسلمين سنّته.
وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة، فكان عليه الصلاة والسلام لا يُوازى في هذه الأخلاق الكريمة، ولا يُبارى. وصَفَهُ بهذا كل من عرفه، قال جابر رضي الله عنه: ما سُئل عليه الصلاة والسلام عن شيء فقال: لا. وقال ابن عباس: كان عليه الصلاة والسلام أجودَ الناس بالخير، وأجودَ ما كان في شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجودَ بالخير من الريح المرسلة. وقالت خديجة في صفته عليه الصلاة والسلام مخاطبة له: إنك تحمل الكَلَّ، وتكْسِبُ المعدوم.
وحَسْبُك شاهداً في هذا الباب ما فعله مع هوازن من ردِّ السبي إليها، وما فعله يوم تقسيم السبي من إعطاء المؤلفة قلوبهم عظيم الأعطية. وقد استوفينا ذلك في موضعه.
وحُمل إليه عليه الصلاة والسلام تسعون ألفاً، فوضعها على حصير وأخذ يقسمها فما قام حتى فرغ منها.
وجاءه رجل فسأله فقال: «ما عندي شيء، ولكن ابتعْ عليّ، فإذا جاءنا شيء قضيناه» فقال له عمر: ما كلَّفَكَ الله ما لا تقدرُ عليه، فكره ذلك عليه الصلاة والسلام، فقال له رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخفْ من ذي العرش إقلالاً، فتبسم عليه الصلاة والسلام وعُرِفَ البشرُ في وجهه وقال: «بهذا أُمِرتُ».
والأخبار بجوده وكرمه عليه الصلاة والسلام كثيرة يكفي منها لتعليمك ما ذكرناه.
ومنها الشجاعة والنجدة، فكان عليه الصلاة والسلام منهما بالمكان الذي لا يُجهل، قد حضر المواقف الصعبة، وفرّ الكُمَاةُ والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يَبْرَح، ومُقْبل لا يُدبر، ولا يتزحزح، وما من شجاع إلا أُحصيت له فرّة، وحفظت عنه جولة، سواه. وحسبك ما فعله في حُنَيْنٍ وأُحُد مما ذكرناه مستوفى.
وقال ابن عمر: ما رأيتُ أشجعَ ولا أنجدَ ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عليٌّ: إنّا كنّا إذا اشتد البأسُ، واحْمرَّت الحَدَقُ اتقينا برسول الله، فما يكون أحدٌ أقربَ إلى العدو منه، ولقد رأيتُني يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذٍ بأساً. وقال أنس: كان عليه الصلاة والسلام أشجعَ الناس، وأحسنَ الناس، وأجودَ الناس، لقد فزع أهل المدينة ليلةً، فانطلق ناسٌ قِبَل الصوت، فتلقاهم عليه الصلاة والسلام راجعاً، قد سبقهم إلى الصوت، واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، والسيف في عنقه، وهو يقول: «لن تُراعوا».
وأما الحياء والإغضاء، فكان عليه الصلاة والسلام أشدَّ الناس حياءً، وأكثرهم عن العورات إغضاء، قال أبو سعيد الخدري: كان عليه الصلاة والسلام أشدَّ حياءً من العذراء في خِدْرها. وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه.
وكان عليه الصلاة والسلام لطيفَ البَشَرة، رقيقَ الظاهر، لا يُشَافِهُ أحداً بما يكرهه، حياءً وكرمَ نفس. قالت عائشة: كان عليه الصلاة والسلام إذا بلغه عن أحدٍ ما يكرهه لم يقلْ: ما بال فلان يقول كذا وكذا؟ بل يقول: «ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا؟». ينهى عنه ولا يُسَمِّي فاعِله، وقالت رضي الله عنها: لم يكن عليه الصلاة والسلام فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا صخاباً بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
وأما حسن عشرته وأدبه، وبسط خلقه مع أصناف الخلق، فمما انتشرت به الأخبار الصحيحة، قال علي رضي الله عنه: كان عليه الصلاة والسلام أوسعَ الناس صدراً، وأصدقَ الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. وكان عليه الصلاة والسلام يؤلِّفهم، ولا ينفِّرهم، ويكرم كريم كلِ قوم ويولِّيه عليهم، ويحْذَر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي على أحد منهم بشره، ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه. من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكونَ هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخُلُقه، فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق سواء، بهذا وصفه ابن أبي هالة. وكان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظَ ولا غليظ، ولا صخَّاب، ولا فحَّاش، ولا عيَّاب، ولا مدَّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤيس منه، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الاْمْرِ} (آل عمران: 159). وقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34).
وكان عليه الصلاة والسلام يجيب من دعاه، ويقبل الهدية، ولو كانت كُراعاً، ويكافىء عليها، وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويلاعب صبيانهم، ويجلسهم في حِجره، ويجيب دعوة الحر والعبد، والأمة والمسكين، ويعُود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر. وقال أنس: ما التقم أحد أُذن النبي يحادثه فنحَّى رأسه، حتى يكون الرجل هو الذي ينحِّي رأسه، وما أخذ أحدٌ بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر.
وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم يُرَ قطّ مادّاً رجليه بين أصحابه حتى يُضَيِّقَ بهما على أحد، يُكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويُكَنِّي أصحابه، ويدعوهم بأحبِّ أسمائهم تكرمةً لهم، ولا يقطعُ على أحد حديثه، حتى يتجوَّزَ فيقطعه بنهي أو قيام، وكان أكثرَ الناس تبسماً، وأطيبهم نفساً، ما لم يُنزل عليه قرآن، أو يعظ، أو يخطب.
وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق فقد وصفه الله بها في قوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 128). وقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ(107)
روي أن أعرابياً جاءه يطلب منه شيئاً فأعطاه، ثم قال: «أأحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملتَ. فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كُفُّوا، ثم قام ودخل منزله، وأرسل إليه، وزاده شيئاً، ثم قال: «أأحسنت إليك؟» فقال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنك قلتَ ما قُلتَ، وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببتَ فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ، حتى يذهبَ ما في صدورهم عليك» قال: نعم، فلما كان الغد ــــ أو العشي ــــ جاء فقال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه فزعمَ أنه رضي أكذلك؟» قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، فقال عليه الصلاة والسلام: «مثلي ومثلُ هذا مثل رجل له ناقة شردتْ عليه، فاتَّبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً، فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردّها، حتى جاءتْ واستناختْ، وشدَّ عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيثُ قال الرجلُ ما قال فقتلتموه دخل النار». وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يُبَلِّغني أحد منكم عن أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليمُ الصدر». وكان يسمعُ بكاء الصبي فيتجوَّزُ في صلاته. وعن ابن مسعود كان عليه الصلاة والسلام يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.
وأما خلقه عليه الصلاة والسلام في الوفاء، وحسن العهد، وصلة الرحم، فروي عن عبد اللهبن أبي الحمساء قال: بايعت النبي عليه الصلاة والسلام ببيع قبل أن يُبعث، وبقيتْ له بقية، فوعدته أن آتِيَهُ بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرتُ بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو في مكانه، فقال: «يا فتى، لقد شققت عليّ أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك». وكان إذا أُتيَ بهدية، قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحبّ خديجة». وكان عليه الصلاة والسلام يَصِل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم. ووفدَ عليه وفد، فقامَ يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نكفيك، فقال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم». وفي حديث خديجة: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصلُ الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسِبُ المعدوم، وتقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق.
وأما تواضعه عليه الصلاة والسلام، على علو منصبه ورفعة رتبته، فكان أشدَّ الناس تواضعاً، وأقلّهم كِبراً، وحسبك أنه خيِّر بين أن يكون نبيّاً ملكاً، أو نبياً عبداً، فاختار أن يكون نبياً عبداً، وخرج عليه الصلاة والسلام مرة على أصحابه متوكئاً على عصا، فقاموا، فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يُعَظِّم بعضهم بعضاً». وقال: «إنما أنا عبدٌ، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». وكان يركب الحمار ويُرْدِفُ خلفه، ويعود المساكين، ويُجالس الفقراء، ويُجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم، حيثما انتهى به المجلس جلس. وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تُطْروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» وحج عليه الصلاة والسلام على رَحْلٍ رثِّ، وعليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم فقال: «اللهمّ اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة» هذا وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى في حجه ذلك مائة بَدَنة. ولما فُتحت عليه مكة، ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ على رحله رأسه حتى كادَ يَمَسُّ قادمته تواضعاً لله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: دخلتُ السوق مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاشترى سراويل، وقال للوازن: «زن وأرجح»، ثم قال: فوثب إلى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّلها، فجذب يده، وقال: «هذا تفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم»، ثم أخذ السراويلَ فذهبتُ لأحمله قال: «صاحبُ الشيء أحقُّ بشيئه أن يحمله».
وأما عدله عليه الصلاة والسلام، وأمانته، وعفّته، وصدق لهجته، فكان آمنَ الناس، وأعدل الناس، وأعفّ الناس، وأصدقهم لهجة منذ كان، اعترف له بذلك محادُّوه وأعداؤه، وكان يُسَمَّى قبل نبوّته الأمين، وقد قدّمنا ذلك في سيرته عليه الصلاة والسلام قبل النبوّة. وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: ما لمست يدُهُ يدَ أمرأة قطّ لا يملك رقّها. قال أبو العباس المُبَرِّد: قسَّم كسرى أيامه، فقال: يوم الريح يَصْلح للنوم، ويومُ الغيم للصيد، ويوم المطر للهو والشرب، ويومُ الشمس للحوائج. ولكن نبيّنا عليه الصلاة والسلام جزَّأ نهاره ثلاثة أجزاء، جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزّأ جزأه بينه وبين الناس، فكان يستعين بالخاصّة على العامّة، ويقول: «أبلغوا حاجة مَنْ لا يستطيعُ إبلاغي، فإن من أبلغ حاجة مَنْ لا يستطيعُ إبلاغها آمنهُ الله يوم الفزع الأكبر». وكان عليه الصلاة والسلام لا يأخذ أحداً بذنب أحد، ولا يصدق أحداً على أحد.
وأما وقاره عليه الصلاة والسلام وصمته، وتؤدته، ومروءته، وحسن هديه. فكان عليه الصلاة والسلام أوقرَ الناس في مجلسه، لا يكادُ يُخرِج شيئاً من أطرافه، وكان إذا جلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبياً. وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة. يُعرض عمّن تكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسماً، وكلامه فَصْلاً، لا فضول ولا تقصير، وكان ضَحِكُ أصحابه عنده التبسم توقيراً له، واقتداء به. مجلسه مجلسُ حلم وحياء وخير وأمانة، لا تُرفع فيه الأصوات، ولا تُؤْبنُ فيه الحُرَمُ، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير. وقال ابن أبي هالة: كان سكوته صلى الله عليه وسلم على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكّر. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم يُحَدّثُ حديثاً لو عدّه العاد لأحصاه، وكان يُحِبّ الطِّيب، والرائحة الحسنة، ويستعملهما كثيراً، ويحضّ عليهما. ومن مروءته صلى الله عليه وسلم نهيه عن النفخ في الطعام والشراب والأمر بالأكل مما يلي، والأمر بالسِّواك وإنقاء البراجم والرواجب (مفاصل الأصابع من ظاهر الكف وباطنها).
وأما زهده عليه الصلاة والسلام في الدنيا فقد قدّمنا لك فيه ما فيه الكفاية، وحسبك شاهداً على تقلُّلِهِ من الدنيا، وإعراضه عن زهرتها، وقد سيقت إليه بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحها، أنه توفي عليه الصلاة والسلام، ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله. وهو يدعو ويقول: «اللهمّ اجعلْ رزقَ آل محمد قوتاً». وقالت عائشة رضي الله عنها: ما شبع عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام تباعاً من خبز حتى مضى لسبيله. وقالت: ما ترك عليه الصلاة والسلام ديناراً، ولا درهماً، ولا شاة، ولا بعيراً، ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي. وقال: «إني عُرض عليّ أن تُجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت: لا يا ربّ أجوعُ يوماً، وأشبع يوماً. فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك»، وقالت عائشة: إن كنّا آل محمد لنمكث شهراً ما نستوقد ناراً، إن هو إلا التمر والماء. وعن أنس: ما أكل عليه الصلاة والسلام على خُوانٍ، ولا في سُكُرُّجَةٍ، ولا خُبِزَ له مُرَقَّق، ولا أرى شاة سميطاً قطّ.
وفي حديث حفصة: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته مِسْحاً نثنيه ثنيتين، فينام عليه، فثنيناه ليلة بأربع، فلما أصبح، قال: «ما فرشتم لي؟» فذكرنا له ذلك فقال: «ردّوه بحاله فإن وَطَاءَتَهُ منعتني الليلة صلاتي».
وقالت عَائشة: لم يمتلىء جوف النبي عليه الصلاة والسلام شبعاً، ولم يبثّ شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى. وإن كان ليظلُّ جائعاً يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه. ولو شاء ربّه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغدَ عيشها. ولقد كنتُ أبكي رحمة له مما أرى به، وأمسحُ بيدي على بطنه مما أرى به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلَّغْتَ من الدنيا بما يقوتُك، فيقول: «يا عائشة ما لي وللدنيا، إخواني من أُولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فَقَدِمُوا على ربهم فأكرم مآبهم، وأجزلَ ثوابهم. فأجدني أستحي إن ترفَّهْتُ في معيشتي أن يُقَصَّرَ بي غداً دونهم، وما من شيء هو أحبُّ إليّ من اللحوق بإخواني وأخلاّئي». قالت: فما أقام بعدُ إلا شهراً حتى توفي صلواتُ الله عليه وسلامه.
وأما خوفه ربه، وطاعته له، وشدّة عبادته، فعلى قدر علمه بربه. ولذلك قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكَيتم كثيراً» «أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أَطَّتْ ــــ صَوَّتت ــــ السماءُ وحُقَّ لها أن تَئِطَّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكَيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله تعالى. لوددت أني شجرة تعضد».
وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تَرِمَ قدماه، فقيل له: أَتَكَلَّفُ هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً». وقالت عائشة رضي الله عنها: كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم دِيمةً، وأيُّكُم يطيق ما كان يطيق؟ وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وقال عوفبن مالك: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فاستاكَ، ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه فاستفتح البقرة، فلا يمرّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمرّ بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه، يقول: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، ثم سجد، وقال مثل ذلك. ثم قرأ (آل عمران) ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك. وقال بعضهم: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، وفي وصف ابن أبي هالة: كان متواصلَ الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة.
وعن علي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنّته فقال: «المعرفةُ رأس مالي، والعقلُ أصل ديني، والحبُّ أساسي، والشوقُ مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزنُ رفيقي، والعلمُ سلاحي، والصبرُ ردائي، والرضا غنيمتي، والعجزُ فخري، والزهدُ حِرفتي، واليقينُ قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرّة عيني في الصلاة، وثمرة فؤادي في ذكره، وغمِّي لأجل أمتي، وشوقي إلى ربي» فجزاه الله من نبي عن أمته خيراً، ورحم الله عبداً تأمل في هذه الشمائل الكريمة والخصال الجميلة فتمسك بها، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحوز شفاعته يوم الفزع الأكبر، ويرضى الله عنه، فنسألك اللهمّ التوفيق لما فيه الخير بمنِّك وكرمك يا أرحم الراحمين.
مُعْجزاتُهُ عليه السلام
إذا تأمل المتأمل ما قدّمناه من جميل أثر هذا السيد الكريم، وحميد سيره، وبراعة علمه، ورجاحة عقله وحلمه، وجملة كماله، وجميع خصاله، وشَاهد حاله، وصواب مقاله. لم يمتر في صحة نبوّته، وصدق دعوته، وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به كعبد اللهبن سلام. فإنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جئته لأنظر إليه فلما استَبَنْتُ وجهه عرفت أَنَّ وجهه ليس بوجه كذاب.
وروى مسلم أنَّ ضِماداً لما وفد عليه قال له صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل الله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله» فقال له ضِماد: أعِدْ عليّ كلماتِك هؤلاء، فلقد بلغن قاموس البحر، هاتِ يدك أُبايعك.
ولما بلغ ملكَ عُمان أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يدعوه إلى الإِسلام، قال: والله لقد دلّني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وأنه يَغْلبُ فلا يبطر، ويُغلب فلا يَضْجَر، ويفي بالعهد، وينجز الموعود، وأشهد أنه نبي. وقال ابن رواحة:
لو لم تكنْ فيه آيات مبيِّنةلكانَ منظرُهُ يُنبيكَ بالخَبَر كيف وقد أظهر الله على يده تصديقاً لدعوته من المعجزات ما لا يفي به العدّ، فهو أكثر الأنبياء آيةً، وأظهرهم برهاناً، وسنذكر لك في هذا الفصل من الآيات ما تقرُّ به عينكَ، ويزداد به يقينك، مما رواه الجمّ الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم، وأثبته المحدّثون في صحاحهم، ونبدأ منها بأظهرها شأناً، وأوضحها بياناً، وهو القرآن الشريف وإعجازه.
اعلم أن كتاب الله العزيز مُنْطوٍ على وجوه من الإعجاز كثيرة، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة:
أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أربابَ هذا الشأن، وفرسان الكلام، قد خُصُّوا من البلاغة والحكم بما لم يُخَصَّ به غيرهم من الأمم، وأُوتوا من ذَرابة اللسان ما لم يُؤتَ إنسان، ومن فصل الخطاب ما يُقَيِّد الألباب، جعل الله لهم ذلك طبعاً وخِلْقة، وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويُدْلُون به إلى كل سبب، يخطبون بديهاً في المقامات، وشديد الخَطْب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويقدحون ويمدحون، ويتوسلون ويتوصلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسِّحر الحلال، ويُطَوِّقون من أوصافهم أَجْمَلَ من سِمْط اللآل، فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب، ويُذْهبون الإِحن، ويُهيجون الدِّمَن، ويجرِّئون الجبان، ويصيرون الناقص كاملاً، ويتركون النبيه خاملاً، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل، والقول الفَصْل، والكلام الفخم، والطبع الجوهري، والمنزع القوي، ومنهم الحضري، ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرّف في القول القليل الكلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية، وكلاهما له في البلاغة الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والقِدحُ الفالج، والمَهْيعُ الناهج، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قد حَووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعَلَوا صرحاً لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغثّ والسمين، وتقاولوا في القُّل والكُثْر، وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعَهم إلا رسول كريم، بكتاب عزيز: لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42) (38) وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَآءكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ
صَادِقِينَ(23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} (البقرة: 23 ــــ 24)، {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَاذَا الْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)
فلم يزل يقرعهم أشدّ التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفّه أحلامهم، ويحُط أعلامَهم، ويشتِّتُ نظامهم، ويذم آلهتهم وآباءهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب، والاغترار بالافتراء، وقولهم: إِنْ هَاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24) سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} (القمر: 2). و{إِفْكٌ افْتَرَاهُ} (الفرقان: 4). و{أَسَاطِيرُ الاْوَّلِينَ} (الأنعام: 25). والمباهتة، والرضا بالدنية. كقولهم: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} (البقرة: 88)، و{فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} (فصلت: 5)، و{لاَ تَسْمَعُواْ لِهَاذَا الْقُرْءانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ} (فصلت: 26)، والادعاء مع العجز، كقولهم: {لَوْ نَشَآء لَقُلْنَا مِثْلَ هَاذَآ} (الأنفال: 31) وقد قال لهم: {وَلَن تَفْعَلُواْ} (البقرة: 24) فما فعلوا ولا قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلِمة، كُشِفَ عواره لجميعهم. وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم، وإلا لم يَخْفَ على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم، ولا جنس بلاغتهم، بل ولّوا عنه مدبرين، وأتوا إليه مذعنين، وأنت إذا تأملت قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياةٌ} (البقرة: 179) وقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ(51) ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} (فصلت: 34) وقوله: {وَقِيلَ ياأَرْضُ ابْلَعِى
مَآءكِ وَياسَمَآء أَقْلِعِى وَغِيضَ الْمَآء وَقُضِىَ الاْمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىّ وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(44) فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاْرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَاكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(40)
الوجه الثاني من إعجاز القرآن: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفتْ عليه مقاطع آيِه وانتهتْ فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحدٌ مماثلة شيء منه، بل حارَت فيه عقولهم، وتدَلَّهتْ دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر، أو نظم، أو سجع، أو رجز، أو شعر.
والإِعجاز بكل واحد من النوعين، والإِيجاز والبلاغة بذاتها، أو الأسلوب الغريب بذاته، كل واحد منهما نوع إعجاز، لم تقدر العرب على الإِتيان بواحد منهما، إذ كل واحد منهما خارج عن قدرتها مباينٌ لفصاحتها وكلامها.
الوجه الثالث من الإعجاز: ما انطوى عليه من الإخبار بالمُغَيباتِ، وما لم يكن ولم يقع فوقع، فوجد كما ورد وعلى الوجه الذي أخبر كقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآء اللَّهُ ءامِنِينَ} (الفتح: 27)، وقوله عن الروم: {وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِى بِضْعِ سِنِينَ} (الروم: 3 ــــ 4)، وقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ} (الصف: 9) وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} (النور: 55) وقوله: {إِذَا جَآء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً(2) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ(45) قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} (التوبة: 14) فكان كذلك مما اطّلع عليه قارىء هذه السيرة، وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود، ومقالهم وكذبهم في حَلفِهِم كقوله: {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} (المجادلة: 8) وقوله: {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} (آل عمران: 154) وقوله: {مّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدّينِ} (النساء: 46) إلى غير ذلك من الآيات البيّنات.
الوجه الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة، والشرائع الداثرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذّ من أحبار أهل الكتاب، الذي قطع عمره في تعلّم ذلك، فيورده عليه الصلاة والسلام على وجهه، ويأتي به على نصه، فيقرُّ العالم بذلك بصحته وصدقه، وأن مثله لم ينله بتعليم، وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أُميّ، لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا مجالسة، لم يغب عنهم، ولا جَهِلَ حالَه أحد منهم، وكثيراً ما كان يسأله كثير من أهل الكتاب عن هذا، فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكراً، كقصص الأنبياء، وبدء الخلق، وما في الكتب السابقة مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذُكر منها، ولم يؤثر أن واحداً منهم أظهر خلاف قوله من كتبه، ولا أبدى صحيحاً، ولا سقيماً من صحفه، بعد أن قرّعهم ووبَّخهم بقوله: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران: 93).
ومما يدلّ على أن أهل الكتاب يعلمون صدقه ما تحدّاهم فيه الله بقوله: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الاْخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ(94)
ومما يدل على أن هذا القرآن ليس من كلام البشر: الرّوعة التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، لقوّة حاله، وإنافة خطره، حتى كانوا يستثقلون سماعه، ويزيدهم نفوراً، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إن القرآن صعب مستصعَب على مَن كرهه، وهو الحكم».
وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه إقبالاً، وتَكْسِبُهُ هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به. قال تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر: 23). وقال تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَاذَا الْقُرْءانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (الحشر: 21).f
ومن وجوه إعجاز القرآن: كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، مع تكفل الله بحفظه، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9) لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} (فصلت: 42) وسائر معجزات الأنبياء لم يبق إلا خبرها، والقرآن إلى وقتنا هذا حجة قاهرة، ومعارضة ممتنعة، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان، وحملة علم اللسان، وأئمة البلاغة، وفرسان الكلام، وجهابذة البراعة، والملحد فيهم كثير، والمعادي للشرع عتيد، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته، ولا ألّف كلمتين في مناقضته، ولا قدر فيه على مطعن صحيح، ولا قدح المتكلفُ من ذهنه في ذلك إلا بِزَنْد شحيح، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاءه في العجز بيديه، والنكوص على عقبيه.
ولنختم لك هذا الباب بحديثه عليه الصلاة والسلام في القرآن قال: «إن الله أنزل هذا القرآن آمراً وزاجراً، وسنّة خالية، ومثلاً مضروباً، فيه نبؤكم وخبر من كان قبلكم ونبأ ما بعدكم وحُكْم ما بينكم، لا يخلقه طول الرَّدِّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فَلَجَ، ومن حكم به أقسط، ومن عمل به أُجِرَ، ومن تمسك به هُديَ إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضلّه الله، ومن حَكَمَ بغيره قَصَمه الله، هو الذكرُ الحكيم، والنورُ المبين، والصراطُ المستقيم، وحبل الله المتين، والشفاءُ النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاةٌ لمن اتّبعه، لا يعوج فيقَوَّم، ولا يزيغ فَيُسْتَعْتَبَ».
ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر وقد قدّمنا حديثه مستوفى.
ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه، وتكثيرُه ببركته، وقد روى هذا الجمُّ الغفير من الصحابة، منهم أنس وجابر وابن مسعود.
قال أنس: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حانتْ صلاة العصر، فالتمسَ الناس ماءً للوضوء، فلم يجدوه، فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم بِوَضوء، فوضع في الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيتُ الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناسُ حتى توضؤوا عن آخرهم، فقيل: كم كنتم؟ قال زهاء ثلاثمائة.
وقال ابن مسعود: بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس معنا ماء، فقالَ لنا: «اطلبوا من معه فضلُ ماءٍ»، فأُتي بماء، فصبّه في إناء، ثم وضَع كفّه فيه فجعل الماءُ ينبع من بين أصابعه.
وقال جابر: عطش الناسُ يوم الحُدَيبية ورسول الله بين يديه رِكوةٌ فتوضأ منها، وأقبل الناس نحوه، وقالوا ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك، فوضع يده في الرِّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قيل كم كنتم؟ قال: لو كنّا مائة ألف لكفانا، كنّا خمس عشرة مائة.
وروى هذه القصة جمع عظيم من الصحابة، ومثل هذا في هذه المواطن الحفيلة، والجموع الكثيرة، لا تتطرق التهمة إلى المحدّث به، لأنهم كانوا أسرع شيء إلى تكذيبه، لما جُبلت عليه نفوسُهم من ذلك، ولأنهم كانوا ممّن لا يسكتُ على باطل، فهؤلاء قد رووا هذا، وأشاعوه ونسبوا حضور الجم الغفير له، ولم ينكر عليهم أحد من الناس ما حدَّثوا به عنهم أنهم فعلوه وشاهدوه، فصار كتصديق جميعهم لهم.
ومما يشبه هذا تفجير الماء ببركته، وانبعاثه بمسّه ودعوته، كما ورد عن معاذبن جبل في قصة غزوة تبوك، وأنهم وردوا العين وهي تلمعُ بشيء من ماء مثل الشِّراك، فغرفُوا من العين بأيديهم حتى اجتمع فيه شيء، ثم غسل عليه الصلاة والسلام فيه وجهه ويديه، وأعاده فيها فجرت بماء كثير، فاستقى الناس ــــ وفي رواية ابن إسحاق فانخرق من الماء ما له حس كحسِّ الصواعق ــــ ثم قال: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة، أن ترى ما هنا قد ملىء جناناً». وقد قدّمنا ذلك في غزوة تبوك. وروي عن البرَاء وسلمةبن الأكوع تكثير عين الحدَيبية بدعوته عليه الصلاة والسلام. وروى أبو قتادة أن الناس شَكَوا إلى رسول الله العطش في بعض أسفاره فدعا بالمِيْضَأَةِ فجعلها في ضِبْنه (ما بين الكشح إلى الإبط) ثم التقم فمها، فالله أعلم، أنفث فيها أم لا؛ فشرب الناس حتى رووا وملؤوا كل إناء معهم، فخيّل لي أنها كما أخذها مني. وكانوا اثنين وسبعين رجلاً.
ورويت قصص مشابهة لهذه عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم في محالَّ مختلفة، بحيث لا يشك أحد في صدقها بعد تضافر الثقات على روايتها.
ومن ذلك تكثير الطعام ببركته ودعائه صلى الله عليه وسلم، روى أبو طلحة أنه عليه الصلاة والسلام أطعم ثمانين أو سبعين رجلاً من أقراص من شعير جاء بها أنس تحت إبطه، فأمر بها عليها الصلاة والسلام ففُتِّتت، وقال فيها ما شاء الله أن يقول.
وروى جابر أنه عليه الصلاة والسلام أطعم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعَنَاق، وقال جابر: فأُقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن بُرْمَتنا لَتَغِطُّ كما هي، وإن عجيننا ليخبز. وكان عليه الصلاة والسلام قد بصق في العجين والبرمة وبارك. وروى أبو أيوب أنه صنع لرسول الله وأبي بكر طعاماً يكفيهما، فأطعم منه عليه الصلاة والسلام مائة وثمانين رجلاً. وروى مثل ذلك كثير من الصحابة كعبد الرحمانبن أبي بكر، وسلمةبن الأكوع، وأبي هريرة، وعمربن الخطاب، وأنسبن مالك، رضوان الله عليهم أجمعين.
ومن معجزاته عليه الصلاة والسلام قصة حنين الجذع، قال جابربن عبد الله: كان المسجد مسقوفاً على جذوع نخل، فكان عليه الصلاة والسلام إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العِشَار. وفي رواية أنس: حتى ارتجَّ المسجد لخواره. وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوه به. وفي رواية المطلب: وانشق حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت. زاد غيره: فقال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ هذا بكى لما فقد من الذكر». وزاد غيره: «والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم» فأمر به فدفن تحت المنبر. وهذا الحديث خرَّجه أهل الصحة، ورواه من الصحابة كثيرون، ورواه عنهم من التابعين ضِعفُهم، وبمن دون عدّتهم يقع العلم لمن عُنِيَ بهذا الباب، والله المثبِّت على الصواب.
ومن معجزاته عليه الصلاة والسلام إبراء المرضى، وذوي العاهات، فقد أُصيبت يوم أُحُد عينُ قتادةبن النعمان حتى وقعت على وجنتيه، فردّها عليه الصلاة والسلام، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما، وبصق على أثر سهم في وجه أبي قتادة في يوم ذي قَرد، فما ضرب عليه ولا قَاحَ، وأصاب ابن ملاعب الأَسِنَّةِ استسقاء، فبعث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأخذ بيده حَثْوَةً من الأرض، فتفل عليها، ثم أعطاها رسوله، فأخذها يرى أنه قد هُزىءَ به، فأتاه بها وهو على شَفًى، فشربها فشفاه الله. وتقدم حديث علي ورمده في غزوة خيبر، وغير ذلك كثير مما يعجز قلمنا عن عدّه، ورواه ثقات المسلمين الأعلام.
أما ما منحه الله إياه من إجابة دعواته، فروي عن أنسبن مالك، قال: قالت أمي أُمُّ سُلَيْمٍ: يا رسول الله خادمك أنس ادعُ الله له، فقال: «اللهمّ أكثر ماله وولده، وبارك له فيما آتيته». قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثير، وإنَّ ولدي وولد ولدي ليُعادّون اليوم نحو المائة.
ودعا لعبد الرحمانبن عوف بالبركة، فكان نصيب كل زوجة من زوجاته الأربع من تركته ثمانين ألفاً، وتصدق مرّة بعِير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل من كل شيء، فتصدّق بها، وبما عليها، وبأقتابها، وأحلاسها.
ودعا لمعاوية بالتمكين في الأرض فنال الخلافة، ودعا لسعد بإجابة الدعوة، فما دعا على أحد إلا استجيب له، وتقدم دعاؤه لعمربن الخطاب أن يعزّ الإسلام به، وقال لأبي قتادة: «أفلحَ وجهك، اللهمّ بارك في شعره وبشره»، فمات وهو ابن سبعين سنة، كأنه ابن خمس عشرة، ودعواته عليه الصلاة والسلام المستجابة أكثر من أن تُحصى يطّلع عليها قارىء سيرتنا هذه.
أما ما أطلعه الله عليه من علم ما لم يكن فمما سارت به الركبان، فعن حذيفة رضي الله عنه، قال: قام فينا رسولُ الله مقاماً، فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلاّ حدّثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، وما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه؟ والله ما ترك عليه الصلاة والسلام من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعداً إلا قد سمَّاه لنا باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته. وقد خرَّج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه مما وعدهم به من الظهور على أعدائه، وفتح مكة، وبيت المقدس، واليمن، والشام، والعراق، وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة، لا تخاف إلا الله، وأنّ المدينة ستُغزى، وتُفتح خيبر على يد علي في غد يومه، وما يفتح الله على أمّته من الدنيا، ويُؤْتَون من زهرتها، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، وقد قدمنا كثيراً من ذلك في هذه السيرة، وقدّمنا ما في القرآن من ذلك، وهذا يُغنينا عن الإطالة في هذا المقام فحسبك ما سمعت.
ومما ينير بصيرتك ــــ أيها القارىء ــــ ما مَنّ الله به على رسولنا من عصمته له من الناس، وكفايته من آذاه، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: 67) وقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} (الطور: 48)، وقال: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} (الزمر: 36)، وقال: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءينَ(95) وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: 67) صرف حُجَّابه، وقال: «انصرفوا فقد عصمني الله». وقدّمنا حديث دُعثور وإرادته قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وعصمة الله لنبيّنا، وذكرنا كثيراً مما حصل من أبي جهل لما أراد بالرسول المكايد، فكفاه الله شرّه، وما منّ الله به عليه ليلة الهجرة، وحديث سُراقة في الطريق، وعلى الجملة فيكفينا من هذا الباب أنه عليه الصلاة والسلام مكث بين أعداء ألدّاء بمكة ثلاث عشرة سنة، وبين مشابهيهم من المنافقين واليهود عشر سنين. فما تمكن أحد من إيصال أذى إليه صلى الله عليه وسلم، بل كفاه مولاه شرّ أعدائه حتى أظهر الدين وتمّمه.